سكان العرائش يلقّنون مسؤولي المدينة درسًا مستوحًى من ‘سور المعكازين’.. ويصرخون: لا لعبث جديد بالشرفة الأطلسية

لم تكن صرخة سكان العرائش، مساء السبت 19 يوليوز، سوى امتداد طبيعي لذاك الوعي الحضري الذي اشتعل أولًا في طنجة، حين أجبر الغضب الجماعي سكان المدينة السلطة المحلية على التدخل الفوري، بعد موجة سخط واسعة أعقبت فتح “صور المعكازين” بشكل فجائي وعشوائي، بأشغال وُصفت بالرديئة والمهينة لذاكرة طنجة.
هناك، نزل والي جهة طنجة تطوان الحسيمة، يونس التازي، شخصيًا إلى عين المكان، وأصدر تعليماته بإعادة الأشغال من نقطة الصفر، في موقف حازم أعاد الأمور إلى نصابها، وأعطى إشارات واضحة بأن الرقابة المجتمعية حين تشتعل، لا يمكن تجاهلها.
وها هي شرارة الوعي الحضري تنتقل إلى العرائش، لتجد صدى جديدًا في الشرفة الأطلسية، حيث خرجت ساكنة المدينة في وقفة احتجاجية حاشدة، ردًا على ما وصفوه بـ”العبث” الذي يطال واحدًا من أعرق المعالم الرمزية للمدينة.
لم يكن الغضب ظرفيًا، بل نابعًا من قناعة جماعية بأن مشروع التهيئة الجديد لا يحترم لا الذاكرة المعمارية، ولا الخصوصية الجمالية، ولا هوية المكان التي تشكّلت عبر أزيد من قرن من الزمن.
الشعارات التي صدحت بها الحناجر، مساء السبت، لم تكن صرخة عابرة، بل إعلان مدني عن رفض تام لمنطق فرض المشاريع من فوق، دون حوار، ودون استماع، ودون أي مراعاة لحساسية الذاكرة المحلية.
“أعيدوا لنا شرفتنا”، “الذاكرة لا تُهدم”، “العرائش ليست حقل تجارب”.. كانت كلها رسائل مباشرة للمنتخبين والسلطات معًا، بأن المدينة لها أهلها، وأن الجمال فيها ليس تفصيلًا تجميليًا، بل مكوّن أساسي من كرامتها وعمقها الثقافي.
الاحتجاج لم يخلُ من اتهامات صريحة، وُجهت للمجلس الجماعي بسبب ما وُصف بـ”التدبير الأحادي الفاقد للرؤية”، وللسلطة الإقليمية بسبب “الصمت المريب والتواطؤ مع الرداءة”، بحسب تعبير عدد من المشاركين. كما دعا المحتجون إلى فتح تحقيق جدي في ما سموه “تبذيرًا للمال العام”، مؤكدين أن المشروع الجاري لا يمكن القبول به، لا من حيث الشكل، ولا من حيث المضمون، ولا من حيث منهجية اتخاذ القرار.
غير أن الساكنة لم تطالب بالمستحيل. كل ما طالبوا به هو توقيف فوري للأشغال الجارية، وفتح ورش مراجعة شاملة، بمشاركة المهندسين، والخبراء، وفعاليات المجتمع المدني، من أجل بلورة تصور جديد يُنقذ الشرفة الأطلسية من السقوط في العشوائية، ويعيد لها اعتبارها كمعلم بصري وتاريخي، لا يحق لأحد أن يعبث به تحت أي ذريعة.
الربط بين ما وقع في طنجة وما يحدث الآن في العرائش ليس مجرد صدفة زمنية، بل مؤشر على مسار ناضج من اليقظة الحضرية، بدأ يتكرس في مدن الشمال، حيث لم يعد المواطن متفرجًا، ولا الرأي العام خامدًا، بل بات الجميع جزءًا من معادلة القرار، يمارس حقه في الاعتراض، والمساءلة، وتصحيح المسار.
ما بين طنجة والعرائش، يتشكل درس مدني بالغ الدلالة: المدينة لا تُبنى بالآليات فقط، بل تُبنى بثقة الناس، وبحوارهم، وباحترام ذاكرتهم، وبتقديرهم كمواطنين فاعلين، لا رعايا صامتين. هذا الدرس يجب أن يُقرأ بعناية من قبل كل من يعنيهم الأمر، لأن الأسوأ من تكرار الخطأ، هو تجاهل الغضب حين يُعلن نفسه بوضوح.
