المتضررون من حريق سوق بني مكادة يتضامنون لإطلاق زميلهم.. ويقدّمون درسًا في الوطنية لمن يهمه الأمر

في عزّ معاناتهم، وفي ذروة الأزمة التي خنقت أرزاقهم، اختار تجار سوق القرب بني مكادة طريق الحكمة، وقرروا عدم التصعيد خلال احتفالات الشعب المغربي بعيد العرش المجيد، رغم ما يعتصرهم من خيبة وإحباط.

قرارهم لم يكن سهلاً، بل جاء بعد نقاشات حادة داخل صفوفهم، وسط دعوات متزايدة للاعتصام والاحتجاج، لكنه في النهاية كان رسالة وطنية راقية من مواطنين بسطاء أظهروا وعيًا يتجاوز بكثير من يُفترض أنهم يدبّرون شؤونهم.

ستة أشهر مرّت على الحريق الذي أتى على السوق الشعبي، ولا تزال تداعياته تلقي بظلالها الثقيلة على مئات الأسر. وعدت السلطة المحلية التجار بأن الأشغال ستُنجز في ثلاثة أشهر، غير أن الواقع يُظهر تأخرًا فاضحًا، وبطئًا محبطًا في وتيرة إعادة البناء. لا تواصل رسمي جاد، ولا خطط بديلة، ولا دعم اجتماعي ملموس. فقط صمت إداري طويل… ووعود تتبخر مع مرور الأيام.

وما فاقم من حالة التوتر مؤخرًا، كان اعتقال أحد التجار قبل أيام قليلة، بسبب شيك وقّعه في سياق أزمة استثنائية، مرتبط ببضاعة احترقت داخل السوق نفسه. وقد اعتُبرت هذه الواقعة النقطة التي أفاضت الكأس، ودفعته إلى التعبئة فيما بينهم، قبل أن ينجحوا – بروح تضامنية عالية – في تسوية جزء من وضعيته المالية، مما أدى إلى الإفراج عنه مساء أمس. حادثة أعادت تسليط الضوء على هشاشة أوضاعهم، وعلى عمق المأساة التي يرزحون تحتها بصمت.

ورغم كل ذلك، لم ينجرّ التجار إلى الفوضى أو ردود الفعل المتشنجة. بل فضّلوا، عن وعي وطني رفيع، تأجيل كل الخطوات التصعيدية احترامًا لمقام عيد العرش، وحرصًا منهم على أن تبقى هذه المناسبة خالصة لروح التقدير والولاء لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، دون أن تختلط بمطالبهم الاجتماعية المحقّة.

في الجهة المقابلة، تبدو السلطة المحلية عاجزة عن مواكبة حجم الأزمة. فالجهة المفوّضة بتدبير الملف من داخل ولاية جهة طنجة تطوان الحسيمة، تفتقر إلى أبسط آليات التواصل، وتبدو وكأنها تسيّر ملفًا آخر، لا يمتّ بصلة للواقع الميداني الذي يعيشه التجار. فلا تواريخ وعود تحققت، ولا بدائل قُدمت، ولا حتى بوادر تضامن مؤسسي ظهرت.

يقول أحد التجار في تصريح صادق ومعبّر:

“احترمنا المناسبة الوطنية، وأجّلنا احتجاجنا حبًا في وطننا وملكنا. لكننا نعيش أوضاعًا لا تُطاق. لسنا خصومًا للدولة، بل جزء منها. وننتظر فقط من يعاملنا على هذا الأساس.”

ما قدّمه تجار بني مكادة هو درس بليغ في الوطنية والنضج. لم يتوقفوا فقط عند الصبر، بل مارسوا المواطنة بكل ما تحمله من وعي والتزام. ومع ذلك، يظل السؤال معلقًا: هل تلقّت الإدارة الرسالة؟ وهل ستبادر أخيرًا إلى معالجة حقيقية لهذا الملف، أم ستواصل تجاهلها إلى أن يفيض الكأس من جديد؟

 

زر الذهاب إلى الأعلى