أيمن الزبير يكتب: حين يغيب المعطى، تحضر الشائعة

بقلم الإعلامي الطنجي أيمن الزبير: أظهرت بيانات وزارة الداخلية الإسبانية أنه، حتى فاتح غشت 2025، عبر 1.280.505 مسافرين و316.973 مركبة من موانئ إسبانيا نحو المغرب، وذلك خلال الفترة الممتدة من 15 يونيو إلى 31 يوليو، مسجلين بذلك زيادة بنسبة 2.5٪ و2.6٪ على التوالي مقارنةً بالفترة نفسها من سنة 2024.
وعلى خلاف الانطباع السائد في الإعلام المحلي، تُبيّن هذه الأرقام بما لا يدع مجالًا للشك أن أفراد الجالية المغربية لم يُقاطعوا زيارة وطنهم هذا الصيف، بل واصلوا تدفّقهم بوتيرة شبه معتادة، مع تسجيل ارتفاع طفيف مقارنة بالسنة الماضية.
غير أن هذا المعطى الرسمي، الآتي من ضفة المتوسط الشمالية، يصطدم بخطاب داخلي يتحدث عن ركود تجاري، وتراجع عائدات القطاع السياحي، وانخفاض معدلات الإشغال في الفنادق والشقق المفروشة، خصوصًا في مدن الشمال التي طالما عوّلت على عودة المهاجرين لإنعاش الدورة الاقتصادية خلال أشهر الصيف.
فما الذي يفسر هذا التناقض الظاهري؟
الجواب الأوضح يكمن في غياب المعلومة، أو بالأحرى، غياب القدرة المؤسسية على إنتاج وتداول البيانات الدقيقة بشكل دوري وشفاف. ففي إسبانيا، لا تقتصر التقارير الرسمية على أعداد العابرين فقط، بل تشمل أيضًا مؤشرات استهلاك دقيقة، تتحدث عن أسعار الإيواء، وحجم الإنفاق في المطاعم، وتغيّر العادات السياحية. بعض وسائل الإعلام هناك رصدت، مثلًا، ميل العديد من الزوار إلى تقليص نفقاتهم بسبب ارتفاع الأسعار، فاستبدلوا المطاعم بالسندويشات، والتسوّق من المتاجر الصغيرة بدل ارتياد الأماكن السياحية المكلفة.
أما في المغرب، فلا تزال مؤشرات الموسم السياحي رهينة الانطباعات والانفعالات، في ظل غياب أرقام رسمية واضحة يمكن أن يستند إليها النقاش العام. لم نقرأ، مثلًا، تحقيقًا صحفيًا يستقصي نسب الإشغال الفندقي مقارنة بالعام الماضي، أو يحاور الفاعلين في مجال الكراء الموسمي، أو ينقل وجهات نظر أرباب المطاعم والتجار بشأن أسباب تراجع الاستهلاك. كما لم نطالع تحليلًا لخيارات الجالية المغربية هذا الصيف، وما إذا كانت قد غيّرت وجهاتها، أو قلّصت فترات إقامتها، أو أعادت النظر في سلوكها الاستهلاكي.
إن ما نعيشه ليس بالضرورة أزمة زوار، بل أزمة وضوح.
وما يُروّج على نطاق واسع، سواء عبر وسائل الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي، يعكس إلى حد بعيد خواءً معلوماتيًا يفتح الباب واسعًا أمام الشائعات، والتأويلات المغرضة، والقراءة بين السطور دون أدنى سند موضوعي.
حين يغيب المعطى، تحضر الشائعة.
وحين تغيب لغة الأرقام، تطغى لغة التهويل.
