مؤسسة الوسيط تُعرّي اختلالات الإدارة بطنجة: تأخّر في الردود وتجاهل للقرارات القضائية

في تقريرها السنوي لسنة 2024، كشفت مؤسسة وسيط المملكة عن معطيات مقلقة بخصوص أداء عدد من المصالح الإدارية بمدينة طنجة، مؤكدة استمرار اختلالات بنيوية تتجلى في البطء البيروقراطي، وضعف التفاعل مع تظلمات المواطنين، بل وتجاهل بعض الإدارات تنفيذ قرارات قضائية نهائية.
وسجل التقرير أن ولاية جهة طنجة تطوان الحسيمة تلقت خلال سنة 2024 ما مجموعه 32 شكاية موثقة، تعلقت أساسًا بقضايا تنفيذ أحكام قضائية لفائدة مواطنين، وتعثر مساطر التراخيص الإدارية، خاصة في مجالات التعمير، الربط بالمرافق الحيوية، والأنشطة التجارية. وهي شكايات أكدت المؤسسة أنها تعكس خللًا مستمرًا في آليات الرقابة الترابية، وضعفًا في التنسيق بين المصالح اللاممركزة.
من جهتها، وُضعت جماعة طنجة، باعتبارها مؤسسة منتخبة، ضمن لائحة الإدارات المتظلم منها بشكل متكرر، حيث رصد التقرير حالات لعدم تنفيذ أحكام قضائية نهائية ضد الجماعة بلغت قيمتها الإجمالية أزيد من 610 آلاف درهم، وهو ما يُعدّ خرقًا واضحًا لالتزامات المرفق العام، وتجاهلًا لحقوق المواطنين المكفولة بحكم القضاء.
وبلغة الأرقام، كشف تقرير الوسيط عن تسجيل 7 948 ملفاً على الصعيد الوطني خلال سنة 2024، من بينها 5 755 تظلماً رسمياً (أي ما يفوق 72%)، و2 182 طلب توجيه، فيما لم تتجاوز حالات الوساطة الفعلية 11 حالة فقط، ما يعكس اتساع فجوة الثقة بين الإدارة والمواطن، وضعف بدائل الحلول التشاركية داخل المؤسسات.
وعلى مستوى مضمون التظلمات، أوضح التقرير أن أغلب الشكايات الواردة من مدينة طنجة ترتبط بـردود إدارية شكلية أو منعدمة، وتأخر في احترام الآجال القانونية للرد، إضافة إلى عراقيل غير مبررة يواجهها المرتفقون، خصوصًا في الحصول على رخص البناء أو تسوية ملفاتهم الإدارية، سواء كانوا مستثمرين أو مواطنين عاديين.
وتساءلت مؤسسة الوسيط، في لهجة واضحة، عن مدى احترام مبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة في تدبير الشأن الإداري المحلي، داعية إلى إعادة النظر في ثقافة التدبير العمومي، والقطع مع منطق التبرير والتسويف، من أجل ترسيخ ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
كما شددت المؤسسة على أن إصلاح هذا الوضع يتطلب رؤية شاملة تقوم على تعزيز الرقمنة، وتكريس الشفافية، وتفعيل دور المسؤولين الترابيين في تتبع الشكايات، بما يضمن إنصاف المرتفقين وتسريع معالجة الملفات.
وتأتي هذه الخلاصات في وقت تؤكد فيه الدولة التزامها بمواصلة إصلاح المنظومة الإدارية، وترسيخ ثقافة الإنصات وخدمة المواطن، وهو ما يجعل من تقرير مؤسسة الوسيط وثيقة تنبيهية بامتياز، تستوجب التفاعل الجاد من طرف جميع المتدخلين، وفي مقدمتهم العمدة باعتباره المسؤول الأول عن الجماعة، والوالي باعتباره ممثلاً للسلطة المركزية والمشرف على تنسيق أعمال المصالح الخارجية.
إن طنجة، باعتبارها واجهة اقتصادية وثقافية للمملكة، لا تحتمل استمرار مثل هذه الأعطاب الإدارية، التي تعرقل مصالح المواطنين وتضعف مناخ الثقة والاستثمار، مما يجعل الحاجة ملحّة لتصحيح المسار، وتفعيل المحاسبة، وتجسيد مفهوم الدولة في خدمة المواطن، لا العكس.
