طنجة… حين تُباع المرافق العمومية بالمتر! لوبيات العقار تلتهم حي “رياض أهلا”

في طنجة، المدينة التي تحلم بالتحول إلى “واجهة المتوسط”، يحدث ما يُشبه الجريمة الحضرية في وضح النهار. قطعة أرضية كانت مخصصة لبناء دار للشباب بحي “رياض أهلا”، تحولت بقدرة تواطؤ إلى مشروع مصحة خاصة. ليس صدفة، وليس خطأً تقنياً — بل خرق واضح لتصميم التهيئة وشبهة تلاعب إداري محبوك.

جمعية الحي، التي لم تعد تحتمل هذا العبث، وجهت مراسلة رسمية إلى وزارة الداخلية مطالبة بالتحقيق في ظروف هذا التحويل المريب. فالأرض، حسب الوثائق، مصنفة ضمن التجهيزات الجماعية، أي ضمن الفضاءات العمومية التي تُبنى لخدمة الناس، لا لخدمة جيوب المستثمرين.

لكن يبدو أن في طنجة، كل ما هو عمومي صار قابلاً للبيع إذا ما كان “المشتري” من ذوي النفوذ. ما يزيد من فداحة الأمر أن هذه ليست الحالة الأولى. نفس الحي فقد من قبل مدرسة ابتدائية ومرفقاً رياضياً بنفس الأسلوب: صمت، ثم تفويت، ثم عمارة أو مشروع خاص.

تتكرر القصة، ويُعاد السيناريو، حتى صار واضحاً أن هناك نمطاً منظماً لتحويل المرافق العمومية إلى مشاريع استثمارية خاصة تحت شعار كاذب اسمه “التنمية المحلية”. الوثائق المتوفرة تكشف أن المجلس الجماعي لطنجة، منذ 2017، فوّت مرافق عامة كانت مصنفة كفضاءات جماعية لفائدة منعشين عقاريين نافذين.

التبرير؟ “بيع العقارات لتعويض النقص في الميزانية”! أي أن المواطن، بدل أن يُبنى له مستوصف أو دار شباب، يُباع حقه لتمويل عجز إداري. هكذا ببساطة. حين تم الترخيص لتجزئة رياض أهلا سنة 2004، كان الشرط واضحاً: إنشاء مرافق عمومية — مستوصف، مسجد، مدرسة، ملاعب. لكن ما حدث بعد عقد ونصف من الزمن هو العكس تماماً: معظم هذه القطع تحولت إلى مشاريع خاصة، بل ومدرسة خصوصية تُعد من الأكبر في المدينة، في خرق فاضح للتصميم الأصلي.

السكان لم يصمتوا. أسسوا جمعية مدنية، وجمعوا المحاضر القضائية والأحكام التي تُثبت الخروقات، بعضها حكم نهائي أنصفهم في قضية مماثلة تتعلق بأرض مسجد حاولت شركة عقارية تحويلها إلى عمارة. لكن، كما جرت العادة، الأحكام تبقى على الورق، والآلات تستمر في الحفر والبناء. اليوم، يطالب السكان من عمدة المدينة منير الليموري، ووالي الجهة يونس التازي، بالتدخل العاجل لإيقاف هذا النزيف، ولإعطاء التعليمات بتسليم المرافق المنجزة منذ 2017، وهي تجهيزات جاهزة تقنياً لكنها مجمدة إدارياً لأسباب لا تُفهم إلا بمنطق “من المستفيد؟”.

القضية أكبر من قطعة أرض.
إنها مسألة كرامة حضرية وحق جماعي يُنهب قطعة قطعة. طنجة، التي يُفترض أن تكون نموذجاً للتنمية، تُصبح يوماً بعد يوم مختبراً للفساد المقنن، حيث تتحول الخرائط إلى صفقات، والقرارات إلى توقيعات على ظهر المواطن. إن كانت وزارة الداخلية جادة في محاربة “الريع العقاري”، فلتبدأ من هنا، من رياض أهلا، حيث تباع المرافق العمومية وكأنها غنائم حرب.

زر الذهاب إلى الأعلى