دعوا العمدة يفرح بتصنيف اليونسكو… فليس له إنجازٌ غيره ليفتخر به

بعد إعلان العمدة منير ليموري عن تصنيف مدينة طنجة ضمن شبكة المدن المبدعة في الأدب التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، خرج البعض يسخر من “الإنجاز العظيم” الذي بشّر به الرجل في فيديو احتفالي بدا أقرب إلى إعلانٍ تجاريٍّ لمنتجات التجميل منه إلى خطاب مسؤولٍ منتخبٍ يتحدث إلى المواطنين.
لكن بصراحة، لماذا كل هذا الحقد؟
ولماذا كل هذا التهكّم؟
فالعمدة لم يتحدث منذ زمنٍ طويل، ومن حقّه أن يفرح أخيرًا، وأن يخرج أمام الكاميرا بعد طول غيابٍ ليبشّر الساكنة بإنجازٍ طال انتظاره.
بل إنّي أقول لهؤلاء الذين يسخرون: دعوه يفرح، بل افرحوا معه!
فالرجل – بكل بساطة – لم يجد إنجازًا آخر ليفتخر به، وليس كل مرة سيجد مثل هذه الفرصة ليخرج أمام الكاميرا مبشّرًا بإنجازٍ لم يصنعه.
لكن… عن ماذا تريدونه أن يتحدث غير ذلك؟
هل تريدونه أن يتحدث عن فضيحة بحيرة الرهراه التي ابتلعت الملايين من المال العام ولم تُثمر إلا ركودًا ومياهًا آسنة؟
أم عن غابة الرميلات التي كانت رئة طنجة الخضراء فأصبحت مرعىً للفيلات الفاخرة التي تزحف بصمتٍ على حساب الأشجار؟
هل تفضلون أن يواجه ساكنة المدينة بالحديث عن الاختناق المروري الذي يخنق طنجة صيفًا وشتاءً، حتى بات الانتقال من الكورنيش إلى بني مكادة رحلةً تتطلّب مؤونة صبر؟
هل تريدونه أن يتحدث عن الإنارة العمومية التي لا تضيء حتى نفسها في الشوارع والأحياء الشعبية؟
أم عن النقل العمومي الذي يأتي متى شاء ويختفي متى شاء، وكأن المدينة تحت رحمة مزاج السائقين؟
هل تودّون أن يتحدث عن الطرقات الممزّقة التي تحوّلت إلى معارض دائمة للحفر والمطبات، وعن الأرصفة التي تئنّ تحت ثقل الإهمال؟
أم عن عن ملعب البادل في بوبانة؟
ذاك المشروع الذي شُيّد فوق أرضٍ كانت مخصصة للأطفال، ليصبح بقدرة الترخيص نادياً رياضيًا راقيًا، مخالفًا بالأمس، قانونيًا اليوم، دون أن يُقدَّم للناس أي تفسير.
كيف يمكنه أن يتحدث عن ذلك دون أن يُربك نفسه أكثر؟
وهل تظنون أنه سيقترب من ملفات التدبير المفوّض؟
عن أمانديس مثلًا، التي تُبدع في إرسال فواتير الماء والكهرباء وكأنها فواتير إقامة فندقية خمس نجوم، بينما المدينة تغرق في الظلام؟
أم عن صوماجيك باركينغ التي حوّلت الشوارع إلى ممرات مدفوعة الأجر، وتُحاسب المواطن حتى على الهواء الذي يركن فيه؟
أم عن شركات النظافة التي تجمع المال أكثر مما تجمع الأزبال، وتترك المدينة بين يدي النفايات كما لو كانت النظافة رفاهية موسمية؟
ثم ماذا عن فضيحة عصارة النفايات، أو ما يُعرف بـ“الليكسيفيا”، حين انفجرت التقارير والصور التي كشفت تسريب تلك المادة السامة نحو البحر؟
شاهد سكان طنجة البحر يتحول إلى سوادٍ صامت، بينما العمدة لم يُكلّف نفسه حتى الظهور أمام الكاميرا ليشرح ما جرى!
هل تريدونه أن يتحدث عن الفيضانات التي تغمر المدينة كل خريف وكأن المطر حدثٌ مفاجئ، فتغرق الشوارع وتتعطل الحركة وتنكشف هشاشة البنية التحتية؟
أم عن الأحياء التي تتحول في دقائق إلى بركٍ موحلةٍ تُغلق المنازل على ساكنيها؟
إنها قصصٌ تتكرر كل عام، دون أن نجد من يعترف بالخلل أو يجرؤ على المكاشفة.
وهناك – بطبيعة الحال – الكثير من الأمور الأخرى التي لا يسع المقام لذكرها، مما لا يستطيع العمدة حتى التلميح إليه، فما بالك أن يتحدث عنه.
عن ماذا تريدونه أن يتحدث إذن؟
عن واقعٍ يعرفه الجميع: مدينةٌ تكتب البلاغات بلغةٍ فاخرة وتعيش يومياتها بلغةٍ فاشلة؟
مدينةٌ تصنع التصنيفات وتخسر الخدمات؟
دعوه يفرح، رحمكم الله.
فهو لم يجد ما يفرح به سوى تصنيفٍ أدبيٍّ لم يصنعه، وإنجازٍ رمزيٍّ لا علاقة له بإنارةٍ مطفأة أو شارعٍ محفر أو ملفاتٍ تغرق في الغموض.
دعوه يفرح، فحتى الفرح في طنجة أصبح إنجازًا صعبًا.
وفي مدينةٍ أطفأت أنوارها وغرقت في أول مطرةٍ وابتلعتها الحفر، يبدو أن الأدب هو آخر ما تبقّى من مظاهر النور.
