بعد طيّ ملفي “أرض اليهود” و“أرض الطبيب”… حرب الصفحات تُنهي الهدنة الافتراضية بين بولعيش وغيلان بكزناية

يبدو أن الهدنة غير المعلنة التي طبعت العلاقة بين رئيس جماعة كزناية ونائبه الأول لم تكن سوى محطة عابرة في مسار صراع ظلّ لأشهر يتأرجح بين السر والعلن. هذا الصراع، الذي خفّ منسوبه خلال فترة معينة، لم يكن نتيجة توافق سياسي حقيقي بقدر ما فرضته ظروف استثنائية، في مقدمتها انشغال الأطراف المعنية بملفات ثقيلة ذات طابع قانوني وإداري، جعلت الجميع يفضّل خفض التصعيد وانتظار مآلاتها.
خلال تلك المرحلة، طغى ملف ما يُعرف محليًا بـ“أرض اليهود”، المرتبط باسم النائب غيلان، على المشهد السياسي بكزناية، خاصة بعد الاستماع إليه من طرف النيابة العامة، وما رافق ذلك من ترقّب واسع داخل المجلس وخارجه. هذا الملف شكّل عامل ضغط حقيقي ساهم في تجميد الخلافات مؤقتًا، قبل أن تقرر النيابة العامة حفظه لعدم كفاية الأدلة، وهو قرار أنهى مرحلة الترقب وفتح الباب أمام عودة الاصطفافات السياسية داخل الجماعة.
وبالتوازي مع ذلك، كان رئيس المجلس، محمد بولعيش، منشغلًا بملف آخر لا يقل حساسية، يتعلق بما بات يُعرف بـ“أرض الطبيب”. هذا الملف، الذي استغرق مخاضًا عسيرًا وطويلًا، كان مرشحًا لأن ينتهي بمتابعة قانونية ثقيلة، قبل أن يُطوى في نهاية المطاف عبر تسوية مع المعني بالأمر. ورغم أن هذه التسوية جنّبت المجلس تداعيات قضائية مباشرة، إلا أن الملف ترك أثره السياسي والإعلامي، وأسهم بدوره في فرض صمت حذر داخل الأغلبية خلال مرحلة دقيقة.
غير أن انقشاع هذا الضغط، سواء بحفظ ملف “أرض اليهود” أو بتسوية ملف “أرض الطبيب”، أعاد الصراع إلى الواجهة من جديد، لكن بأسلوب مختلف. فبدل المواجهة المباشرة داخل المؤسسات، عادت حرب الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي لتشكّل واجهة الصراع، من خلال تدوينات تلميحية وتوضيحات متقاطعة، تعكس تبادلًا غير مباشر للاتهامات بين أطراف النزاع، وحديثًا متكررًا عن “الترويج” و“التشويش” واستعمال الصفحات كأدوات ضغط.
ويزداد هذا المشهد تعقيدًا لكون أطراف الخلاف ينتمون إلى حزب واحد، هو حزب الاستقلال، ما يحوّل الصراع من اختلاف في أساليب التدبير إلى أزمة انسجام داخل البيت الحزبي المحلي، تُدار خارج آليات التحكيم التنظيمي، وعبر الفضاء الرقمي بدل القنوات المؤسساتية.
في المحصلة، توحي التطورات الأخيرة بأن ما عاشته جماعة كزناية لم يكن نهاية للصراع، بل هدنة فرضتها الملفات الثقيلة. ومع طيّ هذه الملفات، عاد التوتر ليطفو من جديد، في صيغة أكثر حذرًا لكنها أشد إرباكًا، حيث تُدار المعركة في الظل، وتتحول الصفحات إلى ساحة مواجهة بديلة، فيما يظل السؤال مطروحًا حول ما إذا كانت الجماعة مقبلة على جولة تصعيد جديدة، أم أن تدخّلًا سياسيًا متأخرًا قد يضع حدًا لصراع يستنزف المجلس ويُبعده عن أولويات الساكنة.
