تقلّص كبير في غابات طنجة: أزمة بيئية يرسمها منعشون عقاريون

يشهد الغطاء الغابوي بمدينة طنجة ومحيطها تراجعاً مقلقاً خلال السنوات الأخيرة حيث لم تعد تتجاوز المساحة الاجمالية للبوغاز 1300 هكتارا ، في ظل تسارع وتيرة التوسع العمراني وتزايد الضغوط البشرية والبيئية، وهو ما جعل الغابات، التي كانت إلى وقت قريب تشكل أحد أهم مميزات المجال الطبيعي للمدينة، مهددة بالانكماش المستمر وفقدان أدوارها البيئية والاقتصادية.

وتشير معطيات متداولة في تقارير بيئية محلية ووطنية إلى أن جهة طنجة–تطوان–الحسيمة سجلت خلال العقد الأخير فقدان مئات الهكتارات من الغابات، سواء بسبب الحرائق المتكررة أو نتيجة التعدي على الملك الغابوي. ففي بعض السنوات، التهمت الحرائق لوحدها أزيد من 300 هكتار من الغطاء الغابوي بالجهة، فيما تُسجل سنوياً عشرات حالات القطع غير القانوني للأشجار، خصوصاً في المناطق القريبة من المجال الحضري لطنجة.

كما ساهم الزحف العمراني، المرتبط بارتفاع الطلب على العقار، في تقليص المساحات الخضراء بشكل واضح، حيث تحولت أجزاء من الغابات المحيطة بالمدينة إلى أوراش للبناء أو مناطق شبه حضرية، في غياب توازن حقيقي بين متطلبات التنمية وحماية البيئة. وتفيد تقديرات غير رسمية بأن طنجة فقدت نسبة مهمة من غاباتها الحضرية وشبه الحضرية خلال أقل من عشرين سنة، وهو ما انعكس سلباً على جودة الهواء والتنوع البيولوجي، وحتى على تلطيف المناخ المحلي.

من وجهة نظر مهنية، فإن ما يحدث لغابات طنجة لا يمكن اعتباره مجرد أضرار جانبية للتنمية، بل هو مؤشر على خلل في التخطيط البيئي وغياب رؤية مندمجة تحمي الرأسمال الطبيعي للمدينة. فالغابات ليست ترفاً بيئياً، بل تشكل خط دفاع أساسياً ضد التغيرات المناخية، وتلعب دوراً محورياً في امتصاص ثاني أكسيد الكربون، والحد من انجراف التربة، وتوفير فضاءات طبيعية للتنفس والترفيه. استمرار هذا النزيف الغابوي ينذر بعواقب طويلة الأمد، قد تجعل طنجة تفقد جزءاً من توازنها البيئي وجاذبيتها الطبيعية.

إن الحفاظ على ما تبقى من الغابات يفرض اليوم تشديد المراقبة على التعديات، وتفعيل القوانين الزجرية، إلى جانب إطلاق برامج تشجير حقيقية ومستدامة، لا تقتصر على الحملات الموسمية، بل تقوم على إشراك الساكنة والمجتمع المدني في حماية هذا الإرث الطبيعي. فبدون وعي جماعي وإرادة مؤسساتية قوية، سيظل تقلص غابات طنجة عنواناً لأزمة بيئية صامتة، قد لا تظهر آثارها كاملة إلا بعد فوات الأوان.

زر الذهاب إلى الأعلى