بحكم قضائي صادر من طنجة.. المحكمة تفتح الباب أمام ضحايا الكلاب الضالة على الطريق السيار

لم يعد الاصطدام بحيوان سائب على الطريق السيار مجرد حادث عرضي يُطوى في محاضر الشرطة، بل تحوّل اليوم إلى واقعة قانونية تُرتب مسؤوليات وتعويضات. هذا ما كرسه حكم قضائي صادر عن المحكمة الإدارية بمدينة طنجة، قضى بإلزام الشركة الوطنية للطرق السيارة بأداء تعويض مالي مهم لفائدة ضحايا حادثة سير تسبب فيها كلب ضال تسلل إلى الطريق السيار الرابط بين الرباط وطنجة.
القرار، الذي جاء بعد سنوات من التقاضي، لا يهم فقط أصحاب القضية، بل يُعد سابقة تُفتح من خلالها أبواب جديدة أمام متضررين آخرين من وقائع مشابهة لم يكونوا يدركون أن القانون يمنحهم الحق في المطالبة بجبر الضرر، لا سيما حين يتعلق الأمر بمرافق عمومية مؤدى عنها يُفترض أن تضمن شروط السلامة الكاملة لمستعمليها.
تفاصيل الحادث تعود إلى يوم 13 نونبر 2020، حين كان ابن المدعي يقود سيارة والده رفقة والدته في اتجاه مدينة تطوان عبر الطريق السيار A5، قبل أن يتفاجأ بظهور كلب ضال على مستوى مبدل الاتجاه المؤدي إلى مدينة العرائش، ما أدى إلى اصطدام قوي خلّف إصابات بدنية للأم وابنها، وأضرارًا جسيمة لحقت بالسيارة.
الوثائق الطبية المقدمة للمحكمة أكدت أن الضحيتين حصلا على شهادات عجز بلغت 28 يومًا للأم و25 يومًا لابنها، فيما بيّنت الخبرة التقنية أن كلفة الإصلاح تجاوزت 127 ألف درهم. واعتمدت المحكمة على هذه المعطيات، وخصوصًا تقرير الخبرة وفواتير إصلاح السيارة وشهادات طبية موثقة، لتحكم في نهاية المطاف بتعويض مادي بلغ 121.576,22 درهم عن الأضرار المادية، و33.000 درهم عن الأضرار البدنية، مع تحميل الشركة الوطنية للطرق السيارة المسؤولية الكاملة في هذه الحادثة، ورفض باقي الطلبات.
لكن ما يُضفي على هذا الحكم أهميته الرمزية والقانونية، هو أن المحكمة شددت في تعليلها على أن الشركة المدبرة للطريق السيار تقاعست في اتخاذ التدابير الكفيلة بضمان السلامة، ولم تحرص على صيانة الأسوار الواقية، ولم تمنع دخول الحيوانات إلى المسار الطرقي، رغم أن مستعملي هذه الشبكة يؤدون رسوما مالية لقاء خدمة يُفترض أن تشمل الأمان بالدرجة الأولى. واعتبرت المحكمة أن السائق لم يرتكب أي خطأ من شأنه أن يسهم في وقوع الحادث، مما يعزز مسؤولية الشركة ويدعم أحقية الضحايا في التعويض.
هذا الحكم لا يشكّل فقط انتصارًا لأسرة تضررت من حادثة، بل يفتح أعين الرأي العام على سؤال أوسع: ماذا عن باقي المتضررين الذين تعرضوا لحوادث مشابهة على الطرق السيارة؟ وماذا عن الأرواح التي أزهقت أو الممتلكات التي أُتلفت بسبب تسرب حيوانات أو غياب إنارة أو انهيار أجزاء من البنية التحتية؟ فالقانون اليوم يمنح كل متضرر الحق في المطالبة بالتعويض، متى ثبت الإخلال من طرف الشركة المفوض لها تدبير الطريق. وما دام المستخدم يؤدي مقابلاً ماديا، فمن حقه المطالبة بحقه كاملاً، وليس فقط تقبل المخاطر كأمر واقع.
العدالة الإدارية بهذا المعنى ليست مجرد وسيلة فردية لاسترداد الحقوق، بل صارت وسيلة جماعية لتحسين مستوى التدبير، وردع الإهمال، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وهي أيضًا دعوة مفتوحة لكل من يملك حجة وضررًا موثقًا، لكي يتحرك، ويوثق، ويطالب، ويقاضي إن لزم الأمر، حتى لا يتحول الإهمال إلى عرف، وحتى تفهم الجهات المدبرة أن زمن الإفلات من العقاب في حوادث الطرق قد ولّى.
