موسم الهجرة إلى سبتة.. شبان يسبحون نحو الموت، وغابات بليونش تتحول إلى معسكر للمهاجرين وسط استغاثة السكان

تشهد المناطق القريبة من مدينة سبتة المحتلة منذ أيام تصاعدًا مثيرًا في محاولات الهجرة غير النظامية، إذ تحولت السواحل والغابات المحاذية إلى مسرح يومي لمغامرات خطيرة يخوضها مهاجرون أفارقة، أغلبهم من الشباب، بحثًا عن منفذ نحو “الحلم الأوروبي”.
خلال منتصف غشت الجاري فقط، أحصت السلطات الإسبانية 19 حالة وفاة في صفوف هؤلاء الذين يلقون بأنفسهم في البحر سباحة، فيما تشير التقديرات إلى أن العدد الحقيقي قد يكون أكبر بالنظر إلى التيارات البحرية التي تجرف جثثًا نحو سواحل المغرب أو الجزائر.
وفي يومي 15 و16 غشت تحديدًا، رُصدت موجات غير مسبوقة من محاولات العبور، إذ حاول مئات المهاجرين دخول سبتة سباحة مستغلين الضباب الكثيف الذي غطى المنطقة. وقد أدى هذا الوضع إلى استنفار واسع للبحرية الملكية المغربية والحرس المدني الإسباني، الذين تدخلوا بشكل مكثف للحيلولة دون وقوع مآسٍ جديدة. ورغم هذه الجهود، فإن خطورة الظاهرة تكمن في تزايد كثافة المحاولات بشكل جماعي ومنظم، بما يحوّل البحر إلى مقبرة مفتوحة.
لكن الأزمة لا تقف عند حدود البحر، فالغابات المحاذية للحدود، خصوصًا في محيط مدشر بني مزالة بجماعة بليونش، تحولت إلى ما يشبه “معسكرًا خلفيًا” للمهاجرين الذين يتخذونها نقطة انتظار قبل المغامرة بالعبور. هذا الوضع ترك آثارًا مباشرة على حياة السكان المحليين، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة ضغوط يومية، من استحواذ المهاجرين على منابع المياه والمنشآت الحيوية، إلى إتلاف أجزاء من شبكات التوزيع وتلويث البيئة عبر رمي النفايات في الأودية.
وقد عبرت الساكنة عن استيائها العميق، ووجّهت نداءات عاجلة إلى السلطات الترابية، بل وأبدت استعدادها لتقديم شكايات جماعية إلى والي جهة طنجة تطوان الحسيمة وعامل المضيق الفنيدق ووزارة الداخلية.
هذه الظاهرة، التي تتجدد كل موسم، تعكس معادلة معقدة بين حلم الهجرة الذي يدفع الشباب إلى المخاطرة بحياتهم في مواجهة البحر والتيارات، وبين معاناة الساكنة التي تجد نفسها في قلب أزمة إنسانية وبيئية وأمنية.
وبينما تواصل السلطات المغربية والإسبانية جهودها المشتركة للحد من هذه المحاولات، يبقى السؤال مطروحًا حول الحلول الجذرية التي يمكن أن توازن بين حماية الحدود وصون حقوق السكان المحليين، وبين إنقاذ الأرواح التي تبتلعها أمواج المتوسط في رحلة بحث يائسة عن مستقبل أفضل.
