في عز خروج رؤساء الجماعات بالبوط لتفقد الأحياء الغارقة… عمدة طنجة يفضل لقاءات دبلوماسية من مكتبه؟

مع كل موجة تساقطات مطرية قوية، تعود إلى الواجهة هشاشة البنيات التحتية بعدد من المدن، ويُعاد طرح السؤال القديم-الجديد حول منطق تدبير الأزمات، وحول الفرق بين المسؤول الذي ينزل إلى الميدان، ومن يكتفي بتدبير الصورة من وراء المكاتب.
خلال الأيام الأخيرة، وفي الوقت الذي اختار فيه عدد من رؤساء الجماعات الترابية الظهور باللباس الميداني، وسط الأحياء الغارقة في المياه، لتفقد الأوضاع والوقوف على حجم الأضرار عن قرب، بدا المشهد مختلفًا في مدينة طنجة، حيث طغت اللقاءات البروتوكولية والدبلوماسية داخل المكاتب على صورة التدخل الميداني في لحظة حرجة.
طنجة، التي ما تزال تعاني أحياء عديدة بها من مشاكل متكررة في تصريف مياه الأمطار، عاشت على وقع ارتباك واضح مع أولى التساقطات القوية، حيث غمرت المياه شوارع وأزقة، وتعطلت حركة السير، وتضررت ممتلكات مواطنين. ومع ذلك، لم تُسجل تحركات ميدانية بارزة لعمدة المدينة في تلك اللحظة، ما فتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول أولويات التدبير الجماعي في أوقات الأزمات.
في المقابل، برزت مدن أخرى كنماذج لحضور المسؤول الترابي في الميدان، رغم محدودية الإمكانيات. ففي القصر الكبير، على سبيل المثال، خرجت السلطات المحلية والمنتخبون لتفقد الأحياء المتضررة، خاصة النقاط السوداء المعروفة تاريخيًا بتجمع المياه. أما بمنطقة اكزناية، التي تُعد من أكثر المناطق هشاشة بفعل التوسع العمراني غير المتحكم فيه، فقد عادت مشاهد الغرق لتعكس حجم التأخر في معالجة البنيات التحتية، مقابل حضور ميداني لعدد من المسؤولين لمحاولة احتواء الوضع.
الفرق هنا لا يتعلق فقط بالحضور الجسدي، بل بالرسائل الرمزية التي تُبعث إلى الساكنة. فحين يرى المواطن مسؤوله وسط المياه والأوحال، يشعر على الأقل بوجود من يتقاسم معه المعاناة، حتى وإن لم تُحل المشكلة فورًا. أما حين يغيب هذا الحضور، ويُستعاض عنه بصور لقاءات رسمية مكيفة، فإن فجوة الثقة تتسع، ويترسخ الإحساس بأن التدبير بعيد عن نبض الشارع.
لا أحد يُجادل في أهمية العلاقات الدبلوماسية والانفتاح المؤسساتي، خاصة في مدينة بحجم طنجة ذات رهانات اقتصادية واستثمارية كبرى. لكن الأزمات، بطبيعتها، تُعيد ترتيب الأولويات، وتفرض على المسؤول المنتخب أن يوازن بين صورة المدينة في الخارج، وواقع أحيائها في الداخل.
ما تعيشه طنجة، والقصر الكبير، واكزناية، وغيرها من المناطق، ليس حدثًا طارئًا، بل نتيجة تراكمات سنوات من الاختلالات في التخطيط، وتأخر المشاريع، وضعف الصيانة. غير أن طريقة التعاطي مع هذه اللحظات كفيلة بأن تميز بين تدبير قريب من المواطن، وآخر يكتفي بالتواصل من فوق.
في النهاية، لا تنتظر الساكنة معجزات، بقدر ما تنتظر وضوحًا، وحضورًا، وإحساسًا بأن المنتخب الذي منحته ثقتها، حاضر حين تشتد الحاجة، لا حين تلتقط الصور فقط.
