طنجة بين صخب الانتخابات وصمت التنمية: حين تُشحذ السكاكين وتُؤجل أولويات المدينة

في كل موسم انتخابي، تتحول مدينة طنجة من ورش مفتوح على أسئلة التنمية إلى حلبة صراع سياسي محتدم، تُرفع فيها الشعارات عالياً بينما تُخفض فيها الأولويات الحقيقية إلى أدنى سلم الاهتمام.
ومع اقتراب الاستحقاقات، يبدو أن منطق “التطاحن” يطغى على منطق “التدبير”، فتُشحذ السكاكين الانتخابية بدل أن تُفتح الملفات الثقيلة التي تؤرق يوميات السكان. طنجة، التي قُدمت لسنوات كنموذج صاعد في البنيات التحتية والاستثمار، تجد نفسها اليوم أمام مفارقة صارخة: مشاريع كبرى تُعرض في الخطابات، مقابل اختلالات يومية يعيشها المواطن في النقل، والتخطيط الحضري، وجودة الخدمات الأساسية.
ومع ذلك، تُركن هذه القضايا جانباً، وكأنها تفاصيل ثانوية لا تستحق أن تكون في صلب النقاش العمومي. في خضم هذا الصخب، تتحول الحملات الانتخابية إلى ساحة لتبادل الاتهامات واستعراض الولاءات، حيث تُستنزف الطاقات في معارك جانبية، ويُعاد تدوير نفس الوجوه ونفس الوعود، دون تقديم إجابات دقيقة حول مصير الأحياء المهمشة، أو أزمة الاكتظاظ، أو ضعف البنيات التحتية في بعض المناطق التي لم تصلها بعد “عدوى التنمية”.
الرأي العام الطنجاوي لم يعد ساذجاً كما قد يعتقد البعض. فالمواطن الذي يعيش يومياً معاناة التنقل، أو يراقب اختلالات التهيئة الحضرية، أو ينتظر حلولاً ملموسة لمشاكل الماء، النظافة، والمساحات الخضراء، يدرك جيداً الفرق بين خطاب انتخابي مُنمق وبرنامج واقعي قابل للتنفيذ.
الأخطر من ذلك، أن هذا “التطاحن” الانتخابي لا يستهلك فقط الزمن السياسي، بل يساهم في تعميق فجوة الثقة بين المواطن والفاعل السياسي. فعندما تغيب الجرأة في طرح الملفات الحقيقية، ويُستعاض عنها بخطاب شعبوي أو صراعات شخصية، يصبح العزوف الانتخابي نتيجة طبيعية، لا استثناء.
إن المرحلة الحالية تفرض أكثر من أي وقت مضى إعادة ترتيب الأولويات: وضع تنمية المدينة في قلب النقاش، فتح ملفات البنيات التحتية بشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة بعيداً عن الحسابات الضيقة. فطنجة لا تحتاج إلى مزيد من الضجيج السياسي، بقدر ما تحتاج إلى وضوح في الرؤية وصدق في الالتزام.
