“الدخان الأسود” يعرّي أعطاب الأحزاب بطنجة… صراعات شخصية وهاجس الملفات القضائية يكشفان عجزها عن إفراز النخب

لا يزال “الدخان الأسود” يتصاعد من مقرات عدد من الأحزاب السياسية بمدينة طنجة، في مشهد يعكس أكثر من مجرد تأخر في الحسم؛ بل يكشف عن أزمة أعمق في بنية هذه التنظيمات، التي تبدو وكأنها تدخل في “سبات سياسي” مباشرة بعد كل استحقاق انتخابي، قبل أن تستفيق على وقع ضغط التزكيات دون أن تجد ما يكفي من الأسماء الجاهزة. وبين صراعات شخصية متصاعدة وهاجس متنامٍ للملفات القضائية، تتعثر الأحزاب في إنتاج مرشحين قادرين على الجمع بين الشرعية التنظيمية والجاهزية الانتخابية.
وفي استعارة سياسية تُحاكي طقوس الفاتيكان عند انتخاب البابا، لا يعكس “الدخان الأسود” المتصاعد اليوم من مقرات الأحزاب بطنجة فقط فشل التوافق، بل يفضح أيضاً هشاشة آليات الاشتغال الداخلي، حيث تتحول لحظة الاختيار إلى ساحة صراع بدل أن تكون نتيجة مسار تأطيري طويل. وبين انتظار “الدخان الأبيض” الذي يعلن الحسم، يطرح المشهد سؤالاً أعمق: هل فقدت الأحزاب المحلية قدرتها على إفراز نخبها، أم أنها لم تعد تشتغل أصلاً إلا في مواسم الانتخابات؟
العدالة والتنمية… “الدخان الأبيض” الوحيد (حتى الآن)
يُعد حزب العدالة والتنمية الاستثناء الأبرز، بعدما أفرزت عملية “التداول” الداخلية اسماً واضحاً، حيث تصدّر محمد بوزيدان نتائج التصويت الداخلي لمناضلي الحزب بفارق مريح، في مسار تنظيمي يُقدم عادة كنموذج في ضبط آليات الاختيار.
ورغم ما يُروج عن محاولات محدودة للالتفاف على هذا الاختيار من بعض الدوائر المركزية، فإن معطيات الواقع تُشير إلى صعوبة تكرار سيناريو انتخابات 2021، حين تم تجاوز إرادة القواعد وكانت النتيجة خسارة المقعد، ما يجعل خيار بوزيدان أقرب إلى الحسم النهائي.
الأصالة والمعاصرة… ترجيح قائم وحسم مؤجل
داخل حزب الأصالة والمعاصرة، تشير المعطيات إلى أن اسم عادل الدفوف يتقدم السباق بشكل مبكر، في ظل دعم داخلي واضح، غير أن هذا الترجيح لم يتحول بعد إلى إعلان رسمي.
في المقابل، لا تزال بعض الأسماء تعبر عن طموحها، من بينها عبد اللطيف الغلبزوري، أحد القياديين الجهويين بالحزب، إلى جانب نجل رئيس مجلس العمالة، في سياق يراه متابعون أقرب إلى محاولات للتموقع السياسي أو التفاوض حول مواقع مستقبلية، أكثر من كونه منافسة فعلية على التزكية.
التجمع الوطني للأحرار… تعدد السيناريوهات وغياب الرؤية
يبقى حزب التجمع الوطني للأحرار الأكثر غموضاً في طنجة، حيث تتداخل عدة سيناريوهات دون أن يطفو أي منها على السطح بشكل حاسم:
هل سيتم منح التزكية لاسم من داخل القواعد المحلية؟
أم سيتم الدفع بمرشح من القيادة المركزية؟
أم أن “مرشحاً بالمظلة” سيُسقط على الدائرة لقيادة اللائحة؟
هذا التردد يعكس، بحسب متابعين، صراعاً غير محسوم بين منطق التنظيم ومنطق الإمكانيات، في انتظار قرار مركزي يُنهي حالة الضبابية.
الاستقلال… بين تزكية معلقة وهواجس قانونية
في حزب الاستقلال، وبعدما ساد انطباع أولي بحسم تزكية محمد الحمامي، عادت معطيات جديدة لتؤكد أن النقاش لا يزال مفتوحاً داخل كواليس الحزب، خاصة في ظل تخوفات مرتبطة بالوضعية القانونية للمرشح ومدى انسجامها مع القوانين الانتخابية الجديدة، التي تشدد على خلو المرشحين من متابعات قضائية.
هذا المعطى أعاد طرح أسماء بديلة، من بينها الوزير عبد الجبار الراشدي، إلى جانب نائب العمدة نور الدين الشنكاشي، ما يعكس استمرار حالة التردد داخل الحزب.
الاتحاد الاشتراكي… إعادة ترتيب الأوراق بهدوء
في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ورغم أن المؤشرات كانت تتجه نحو تجديد التزكية للبرلماني عبد القادر الطاهر، إلا أن المعطيات الجديدة تشير إلى تحركات داخلية يقودها يوسف بنجلون، الذي يبدو أنه تراجع عن خيار مغادرة الحزب، وشرع في مشاورات لإعادة ترتيب البيت الداخلي.
وبحسب مصادر متقاطعة، فإن بنجلون يميل إلى الدفع باسم عبد السلام العيدوني كخيار محتمل، مع العمل على استقطاب أسماء انتخابية ذات وزن، في أفق تعزيز حظوظ الحزب للحفاظ على مقعده.
الاتحاد الدستوري… تردد يحسمه القرار الشخصي
أما داخل الاتحاد الدستوري، فإن المشهد يبدو مرتبطاً أساساً بموقف الزموري، الذي يعيش حالة تردد بين الاستمرار داخل الحزب أو المغادرة نحو وجهة سياسية أخرى، يُرجح أن تكون الحركة الشعبية.
هذا التردد يعكس فتور العلاقة مع القيادة المركزية، ويجعل مسار الحسم داخل الحزب رهيناً بقرار فردي أكثر منه قراراً تنظيمياً.
التقدم والاشتراكية… “دخان أبيض” من المركز
في المقابل، يبدو أن حزب التقدم والاشتراكية قد حسم مبكراً، حيث استقبل الأمين العام للحزب بالرباط الموثق الدحمان المزريحي مرفوقاً بعدد من المنتسبين من طنجة، في خطوة تُفهم كإشارة واضحة إلى تصدره لائحة الحزب بعمالة طنجة–أصيلة، ما يُقارب إعلان “الدخان الأبيض” داخل الحزب.
أزمة اختيار أم أزمة بنية؟
القاسم المشترك بين أغلب الأحزاب بطنجة هو استمرار “الدخان الأسود”، أي عجزها عن إنتاج توافقات داخلية حول أسماء تجمع بين الشرعية التنظيمية والقدرة الانتخابية.
ويرى متتبعون أن هذا الوضع يكشف عن اختلالات أعمق، ترتبط بضعف التأطير الحزبي محلياً، وغياب دينامية داخلية قادرة على إفراز نخب سياسية واضحة، مقابل تنامي منطق “الجاهزية المالية” أو “الاختيار من فوق”.
