اليد العاملة الصينية تعيد تشكيل سوق الكراء بطنجة.. هل أصبح السكن خارج متناول الأسر؟

تشهد مدينة طنجة خلال الأشهر الأخيرة موجة جديدة من الضغوط على سوق الكراء، تزامناً مع توافد أعداد متزايدة من المهندسين والأطر الأجنبية، وخاصة الصينيين، المرتبطين بمشاريع صناعية كبرى، وفي مقدمتها مشروع “مدينة محمد السادس طنجة تيك”. وبينما يمثل هذا الحراك مؤشراً على جاذبية المدينة للاستثمارات الدولية، فإنه يثير في المقابل مخاوف متزايدة بشأن انعكاساته على القدرة الشرائية للسكان المحليين.

ووفق تقرير حديث نشره موقع “إيمو وورلد” المتخصص في الشأن العقاري، فإن التدفق المكثف للمهندسين والأطر الصينية منذ مطلع سنة 2026 ساهم في إعادة تشكيل سوق العقار بطنجة، بعدما أصبحت المدينة تستقطب فئة جديدة من الوافدين تتمتع بقدرة مالية مرتفعة، وهو ما انعكس على الطلب على الشقق السكنية، خاصة في الأحياء الراقية والمتوسطة القريبة من المناطق الصناعية.

وبحسب التقرير، فإن الطلب المتزايد أدى إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار الكراء، حيث فضل عدد من الملاك تأجير شققهم للشركات أو للأجراء الأجانب بعقود تحقق لهم مداخيل أعلى مقارنة بما كان سائداً في السابق.

ورغم أن ازدهار الاستثمار الأجنبي يعد مؤشراً إيجابياً على الدينامية الاقتصادية التي تعرفها طنجة، فإن الجانب الاجتماعي لهذه التحولات لا يمكن تجاهله. فارتفاع أسعار الإيجار أصبح يشكل عبئاً إضافياً على آلاف الأسر المغربية، كما بات يضع الشباب المقبل على الزواج والعمال والموظفين أمام صعوبات متزايدة في العثور على سكن يناسب دخلهم.

ولا يمكن تحميل الوافدين الأجانب مسؤولية هذا الوضع، فهم جزء من مشاريع استثمارية اختارتها الدولة لتعزيز التنمية الصناعية وخلق فرص الشغل. غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في غياب سياسات مواكبة لهذا التحول، سواء من خلال توسيع العرض السكني الموجه للكراء، أو وضع آليات تحد من المضاربات العقارية التي تستغل ارتفاع الطلب لتحقيق أرباح سريعة.

ويرى متابعون أن طنجة تعيش اليوم ما شهدته مدن عالمية عديدة، حيث يؤدي النجاح الاقتصادي إلى ضغوط قوية على سوق السكن، إذا لم ترافقه سياسات عمرانية واجتماعية متوازنة. فالاستثمار لا ينبغي أن يكون على حساب الحق في السكن، كما أن التنمية الاقتصادية لا تقاس فقط بحجم رؤوس الأموال المستقطبة، بل أيضاً بمدى انعكاسها الإيجابي على جودة عيش المواطنين.

إن ارتفاع أسعار الكراء ليس مجرد نتيجة لتوافد اليد العاملة الأجنبية، بل هو حصيلة تفاعل عدة عوامل، من بينها محدودية العرض، والمضاربة العقارية، وارتفاع الطلب، وغياب تنظيم فعال لسوق الإيجار. ولذلك، فإن معالجة الظاهرة تستوجب رؤية شاملة توازن بين تشجيع الاستثمار وحماية القدرة الشرائية للسكان.

ويبقى الرهان اليوم هو أن تواصل طنجة ترسيخ مكانتها كقطب اقتصادي دولي، دون أن يتحول السكن إلى امتياز لا يستطيع تحمله إلا أصحاب الدخول المرتفعة، لأن نجاح أي نموذج تنموي يقاس بقدرته على تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية.

زر الذهاب إلى الأعلى