هل انتهى زمن “أصحاب الشكارة”؟.. الأحزاب تراهن على موظفين وأطر للفوز بمقاعد طنجة

بدأت ملامح السباق نحو المقاعد البرلمانية الخمسة المخصصة للدائرة الانتخابية طنجة-أصيلة تتضح تدريجيا، مع شروع الأحزاب السياسية في الكشف عن وكلاء لوائحها استعدادا لانتخابات 23 شتنبر المقبل. غير أن اللافت هذه المرة لا يتعلق فقط بالأسماء التي اختارتها الأحزاب، بل بالتحول الواضح في فلسفة الترشيحات، بعدما تراجع حضور رجال الأعمال وأصحاب النفوذ المالي لصالح موظفين وأطر وفاعلين جمعويين ومنتخبين محليين، في مشهد انتخابي يبدو مختلفا عن المحطات السابقة.

ويرى متابعون للشأن السياسي المحلي أن هذا التحول لم يأت من فراغ، بل فرضته مجموعة من المتغيرات، في مقدمتها تنامي العزوف الانتخابي، وتراجع ثقة المواطنين في الوجوه التقليدية، إلى جانب مؤشرات قوية على تشديد الرقابة على نزاهة الانتخابات ومحاصرة كل أشكال توظيف المال في استمالة الناخبين. كما يربط متابعون هذا التوجه بالنهج الصارم الذي يطبع تدبير والي جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، يونس التازي، لعدد من الملفات، وهو ما دفع العديد من الأحزاب إلى مراجعة حساباتها والابتعاد عن الرهان التقليدي على أصحاب الثروات.

وفي هذا السياق، اختار حزب التجمع الوطني للأحرار عبد الواحد بولعيش وكيلا للائحته بدائرة طنجة-أصيلة، وهو موظف بشركة “أمانديس”، ويعرف داخل المدينة بنشاطه في المجالات الرياضية والثقافية والجمعوية، في خطوة تعكس رغبة الحزب في تقديم وجه ارتبط بالعمل الميداني أكثر من ارتباطه بالنفوذ المالي.

أما حزب العدالة والتنمية، فقد جدد ثقته في محمد بوزيدان، المستشار الجماعي ورئيس مقاطعة مغوغة السابق، معولا على تجربته في تدبير الشأن المحلي وحضوره داخل المدينة. كما اختار حزب التقدم والاشتراكية الموثق الدحمان المزرياحي، فيما دفع تحالف فدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد بالمحامي عمر بن عجيبة، في رهان على الكفاءات المهنية والحقوقية.

وفي المقابل، منح حزب الأصالة والمعاصرة تزكية وكيل اللائحة لعبد اللطيف الغلبزوري، الأمين الجهوي للحزب ونائب رئيس مجلس جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، وهو موظف بغرفة الصناعة التقليدية. إلا أن اسم الغلبزوري ارتبط خلال السنوات الأخيرة بجدل متكرر على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما دأب على نشر تدوينات تعبر عن تشجيعه لفريق الرجاء الرياضي، وهو ما أثار انتقادات واسعة من طرف عدد من متابعي الشأن المحلي وجماهير اتحاد طنجة، التي اعتبرت أن منتخبا وفاعلا سياسيا يمثل المدينة كان من الأولى أن يعلن دعمه للفريق الذي يحمل اسمها، بدل إظهار انتمائه الرياضي لفريق من مدينة أخرى.

ويبقى حزب الاستقلال أكثر الأحزاب التي تعيش حالة من الضبابية قبل موعد الانتخابات، بعدما لم يحسم، إلى حدود الآن، هوية وكيل لائحته بدائرة طنجة-أصيلة، وسط استمرار التجاذب بين الوزير عبد الجبار الراشدي والبرلماني الحالي محمد الحمامي. ويرى متابعون أن الحزب فقد خلال السنوات الأخيرة جزءا كبيرا من بريقه وهويته السياسية داخل المدينة، ولم يعد يحتفظ بالزخم التنظيمي الذي كان يميزه في محطات سابقة، وهو ما انعكس على تدبيره لملف التزكيات. وحسب مصادر مطلعة، فإن مستقبل محمد الحمامي داخل الحزب يبقى مرتبطا أيضا بمآل ملفه القضائي، إذ إن إحالة القضية على جلسات المحاكمة قد تقلص بشكل كبير من حظوظه في الاحتفاظ بالتزكية، خاصة في ظل تعدد الملفات القضائية التي تهمه، إلى جانب متابعات تطال أفرادا من عائلته.

وفي خضم هذا المشهد، يبقى البرلماني محمد الزموري رجل الأعمال الوحيد الذي لا يزال حاضرا ضمن الأسماء المرشحة لخوض الانتخابات المقبلة. ورغم أنه لم يعلن بعد عن اللون الحزبي الذي سيترشح باسمه، فإن الأنظار تتجه نحو حزب الحركة الشعبية، بعدما أعلن الزموري بنفسه وجود خلافات مع الأمين العام لحزب الاتحاد الدستوري، وهو ما عزز فرضية انتقاله إلى حزب جديد قبل إيداع الترشيحات بشكل رسمي.

وتكشف القراءة الأولية لخريطة الترشيحات أن الأحزاب اختارت، لأول مرة منذ سنوات، الابتعاد نسبيا عن الرهان على أصحاب الثروات، مقابل تقديم وجوه مهنية وإدارية وجمعوية، في محاولة لاستعادة ثقة الناخبين والتأقلم مع مرحلة انتخابية تبدو أكثر حساسية، عنوانها تشديد الرقابة على نزاهة الاستحقاقات، والتضييق على كل الممارسات التي ارتبطت في محطات سابقة باستعمال المال والنفوذ في المنافسة الانتخابية، وهو ما قد يجعل انتخابات 2026 مختلفة عن سابقاتها، ليس فقط في الأسماء، بل أيضا في طبيعة الرهانات التي تخوض بها الأحزاب معركة المقاعد البرلمانية الخمسة بطنجة-أصيلة.

زر الذهاب إلى الأعلى