بين “إكرام” المتوفين وإهمال قبورهم.. العمدة يبحث عن السيليكون وسط الإسمنت المتشقق!

بينما تجثو مقابر طنجة تحت وطأة الإهمال، ويضطر الزوار للقفز بين الأشواك والحفر كي يصلوا إلى قبور أحبّائهم، يبدو أن مجلس الجماعة، بقيادة العمدة منير ليموري ونائبه محمد غيلان الغزواني، قد اهتدى أخيرًا إلى الحل المنتظر لمشاكل الموتى… منصة رقميةفي اجتماع رسمي بمقر مركز الطب الشرعي، جلس المعنيون يطالعون شاشة عرض أنيقة، يشرح لهم خبير كيف يمكن بمنصة “إكرام” أن تُبسّط الإجراءات المرتبطة بالوفاة، من التصريح حتى التنسيق الإداري، وكأن المشكلة الحقيقية في طنجة هي تعقيد الإجراءات، لا غياب المقابر الكافية، وانعدام الصيانة، وروائح الإهمال.

منصة “إكرام” التي أطلقتها وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان، بتعاون مع المديرية العامة للجماعات الترابية، جاءت لتنسّق بين النيابة العامة والدرك والسلطات والجماعة، لكن لم تُشر لا من قريب ولا من بعيد إلى الحفر المفتوحة في مقبرة المجاهدين، ولا القبور المطموسة في مرشان، ولا أسوار “المدافن” التي أصبحت لوحات فنية للمهملات ومخلفات البناء.

العمدة بدا سعيدًا بهذا التحول الرقمي الكبير، مؤكدا أن “إكرام” ستُحسن جودة الخدمة العمومية وتُبسّط المساطر… دون أن يُفسر لنا كيف يمكن لهذه “المنصة” أن تحمي القبر من الغرق كلما نزلت أولى زخات المطر، أو تُنبت وردًا في أرض يكسوها العشب العشوائي، أو تمنع الماشية من التجول بين القبور كما لو كانت في رحلة ريفية.

الحاضرون، من جهاتهم، ناقشوا أهمية التنسيق المؤسساتي… لكن أحدًا لم ينسحب للقيام بزيارة قصيرة لأقرب مقبرة يمر بها المواطن يوميًا، ليرى بنفسه أن “إكرام” المطلوبة ليست رقمية فقط، بل ميدانية أيضًا. وربما قبل أن نُبسط إجراءات الوفاة بـQR Code، علينا أن نُبسط الحق في دفن كريم وإنساني.

طنجة التي تصعد نحو مشاريع كبرى في البنية التحتية والطرقات والرقمنة، لا تزال في المرتبة صفر حين يتعلق الأمر بالكرامة بعد الموت. وبينما يتحدث العمدة عن “شفافية التدبير”، لا تزال قبور الموتى بلا إنارة، ولا تنظيم، ولا حتى إشراف بسيط من الجماعة. فهل نُكرم الأموات بـ”لوغين وباسوورد” بينما أسماؤهم تُطمس في التراب؟ أم أن الرقمنة باتت ستارًا أنيقًا لإخفاء فشل الواقع؟
الطنجاويون لا يُنكرون فائدة تبسيط المساطر، لكنهم يرفضون دفن الحقيقة خلف شاشة. لأن الميت لا يطلب رقمًا مرجعيا، بل مكانًا نظيفًا، آمنًا، ومُحترمًا… وهو ما لم توفره الجماعة، لا في العالم الواقعي ولا في العالم الرقمي.

زر الذهاب إلى الأعلى