مشروع مشوّه وتبريرات مهينة.. الطنجاويون غاضبون والمسؤولون صامتون

في الوقت الذي تعيش فيه طنجة على وقع موجة غضب عارمة بسبب فضيحة إصلاح ساحة سور المعكازين، اختارت كل الجهات المعنية أن تصمت. لا تصريح من مسؤول، لا خروج إعلامي من منتخب، لا توضيح من الشركة المكلفة بالمشروع، فقط بلاغ غامض، ركيك الصياغة، خالٍ من التوقيع، كُتب فيه حتى اسم الساحة بشكل خاطئ، وكأننا أمام هواة لا يملكون الحد الأدنى من الجدية أو احترام المسؤولية. وكأن ما وقع لا يستحق حتى تبريرًا بسيطًا يهدئ هذا الغليان الشعبي.

وسط هذا الصمت الرسمي المريب، يبرز سؤال صارخ: أين رئيس المجلس الجماعي لطنجة؟ أين رئيس مقاطعة طنجة المدينة؟ أين مسؤولو شركة التهيئة؟ وأين والي الجهة؟ ولماذا بلعوا ألسنتهم جميعًا؟ لماذا لا أحد منهم وجد الجرأة للخروج إلى الناس والحديث بوضوح؟ هذا الغياب المتعمد يطرح أكثر من علامة استفهام، ويدفعنا للقول إننا أمام عملية تواطؤ بالصمت، أو هروب مدروس من المحاسبة، وكأن شيئًا ما يُراد التستر عليه.

أما الطريقة التي اختاروا أن “يبرروا” بها ما حدث، من خلال تسريبات عبر بعض الحسابات المشبوهة على مواقع التواصل، فهي في حد ذاتها إهانة إضافية لسكان المدينة. هذه الأساليب لا تحترم ذكاء الطنجاويين، ولا تليق بمدينة لها تاريخ وحس جمالي متجذر. بدل أن يواجهوا الفضيحة بمصارحة حقيقية، اختاروا التلاعب بالمعلومة والترويج لخطاب مكرر وممجوج مفاده أن “الأشغال لم تنته بعد”، وكأن البشاعة التي رأيناها في الصور قابلة للتحول فجأة إلى مشروع راقٍ ومتكامل.

ما ظهر للعيان ليس مجرد سطحيات إسمنتية مشوهة، بل هو انعكاس لفشل شامل في التقدير والتصميم والتنفيذ، والأخطر من ذلك، في التواصل واحترام الرأي العام. المشهد الذي خلفه هذا المشروع ليس فقط كارثة عمرانية، بل دليل على أن من يتخذ القرار لا يعبأ بذوق الناس، ولا يعتبر نفسه ملزمًا بتقديم أي تفسير، بل يُمارس سياسة فرض الأمر الواقع من فوق، متكئًا على أدوات تسويقية رخيصة، لا تُقنع إلا من يديرها.

وما وقع يفتح الباب لأسئلة كثيرة ومحرجة: من صادق على هذا التصميم؟ من نفذه؟ من راقبه؟ كم كلف؟ ولماذا لا توجد لوحات واضحة في الأوراش المفتوحة بالمدينة؟ ولماذا يغيب إشراك المواطنين في تفاصيل مشاريع تُنفذ بأموالهم وتحت أنظارهم؟ وهل ما جرى في سور المعكازين هو نموذج أولي لما ينتظرنا في باقي المشاريع؟ وهل المدينة تسير فعلاً نحو التهيئة أم نحو الرداءة المقنّعة؟

طنجة ليست ملكًا لأحد، ولا حقل تجارب للمغامرين، ولا مساحة صامتة تُفرض عليها التصاميم في الخفاء. طنجة مدينة حية، وسكانها ليسوا قطعانًا من المارة، بل مواطنون يعون ما يحدث، ويشعرون بالإهانة حين يُعاملون كأنهم لا يفهمون. ما جرى هو فضيحة متكاملة الأركان، لا يمكن تلخيصها في تأخر أشغال أو عدم اكتمال مشروع. إنها فضيحة في التقدير، في الذوق، في القرار، وفي التعامل مع الرأي العام.

والأخطر من ذلك كله، أنها تفضح درجة اللاكفاءة التي تُدار بها شؤون هذه المدينة. من لا يملك الشجاعة ليواجه الناس ويشرح ويوضح، لا يستحق أن يستمر في موقع القرار. ومن يلجأ إلى تسريبات وحسابات لتمرير رسائل غبية، لا يمكن أن نثق به في إدارة مشاريع كبرى. هذه ليست فقط جريمة في حق ساحة، بل إهانة مباشرة لكرامة طنجة وسكانها.

ويبقى السؤال معلقًا: هل من أحد يملك الجرأة على المواجهة؟ أم أن زمن الحساب لم يحن بعد؟ في كل الحالات، طنجة لن تصمت… والذاكرة لا تنسى.

زر الذهاب إلى الأعلى