كيف عرّى جيل “زد” الأحزاب السياسية في طنجة؟

في طنجة، المدينة التي كانت يوماً منارة للنقاش السياسي والفكري، لم يعد للسياسة صوتٌ يُسمع ولا للأحزاب أثرٌ يُرى. المدينة التي أنجبت رموزاً وطنية كبرى، تحولت اليوم إلى مرآة عاكسةٍ لواحدة من أخطر أزمات المشهد الوطني: الفراغ الحزبي، والغياب التام للتأطير، وصمت التنظيمات التي يفترض أن تكون صمام الأمان في الأوقات الصعبة.
فحين تحرك شباب “جيل زد” في احتجاجات سلمية، عبّروا من خلالها عن قلقهم وأسئلتهم وهمومهم اليومية، لم يجدوا أمامهم حزباً واحداً يقترب منهم، يستمع إليهم، أو حتى يحاول فهم ما يريدونه. كل الفروع الحزبية في طنجة كانت خارج الصورة، غائبة عن الميدان، كأنها لا تسكن المدينة ولا تعرف نبضها.
ما وقع في طنجة لم يكن مجرد حراك اجتماعي عابر، بل حدث سياسي بامتياز، لأنه كشف عمق الأزمة التي تعيشها الأحزاب في هذه المدينة التي كانت ذات يوم مختبراً للتعدد والجدل والأفكار.
الاحتجاجات الأخيرة عرّت الواقع التنظيمي وأزالت آخر غطاءٍ عن فروع حزبية تكتفي بأنشطة باهتة مغلقة لا يسمع بها أحد، وكأنها تعيش في زمن آخر.
كان من المفترض أن تخرج الأحزاب إلى الميدان، أن تنصت للشباب، أن تشرح وتؤطر وتواكب، خاصة في ضوء التوجيهات الملكية الواضحة التي دعت إلى تأطير المواطنين وتجديد النخب والانفتاح على الجيل الجديد.
لكن ما سُجّل فعلاً هو غياب شبه كلي لهذه الفروع، غياب جعل المتتبعين يعتقدون أن طنجة فقدت أحزابها، أو أن ما تبقى منها ليس سوى دكاكين انتخابية تنتظر موسم الاقتراع لتبيع الوعود والكراسي والمناصب، ثم تعود إلى سباتها العميق.
الملك محمد السادس، كان قد تناول هذا الموضوع بشكل صريح في خطابه السامي الذي ألقاه يوم 11 أكتوبر 2024 بمقر البرلمان، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثالثة من الولاية البرلمانية الحادية عشرة، حين دعا الأحزاب إلى تجديد نفسها، والانفتاح على الكفاءات الجديدة، وإعطاء الكلمة للشباب القادر على الإبداع والمبادرة، حتى تظل قادرة على تمثيل المواطنين وتأطيرهم وتحفيزهم على المشاركة.
وأكد جلالته في الخطاب ذاته أن العمل الحزبي يجب أن يظل مدرسة للوطنية الصادقة، ومجالاً للتنافس الشريف حول البرامج والمشاريع، لا مجرد وسيلة للظفر بالمناصب والمكاسب. غير أن ما حدث في طنجة، أثناء الاحتجاجات وبعدها، يؤكد أن هذه الدعوة الملكية لم تجد طريقها إلى التطبيق، وأن فروع الأحزاب المحلية اختارت الصمت المريح بدل الانخراط المسؤول.
السياسيون في طنجة بدوا وكأنهم غرباء عن مدينتهم. لم ينزل أحد منهم إلى الشارع، لم ينظموا لقاءً مفتوحاً، لم يحاولوا حتى توضيح موقفهم من المطالب الشبابية.
اكتفت الفروع ببيانات داخلية، أو أنشطة صورية للتصوير والتوثيق، دون أثر في الميدان. وكأنهم لا يدركون أن السياسة ليست مجرد لافتة تُعلّق فوق باب المقر، بل مسؤولية يومية تتجسد في التواصل الدائم مع الناس. ومع كل يوم يمر، يتأكد أن من يسمون أنفسهم “نخبة سياسية” في طنجة، لا يملكون الجرأة على النزول إلى الشارع، ولا الشجاعة على مواجهة المواطنين وجهاً لوجه.
هذا الغياب الحزبي المريع يفسر بوضوح العزوف المتزايد عن المشاركة السياسية، خاصة في أوساط الشباب. فكيف يمكن لجيل جديد أن يؤمن بالعمل الحزبي وهو يرى أن الأحزاب التي تدّعي تمثيله لا تتفاعل مع قضاياه؟ وكيف يمكن أن تتحقق المشاركة السياسية إذا كان الحوار غائباً والوسائط منعدمة؟ الحقيقة أن جيل “زد” لم يقاطع السياسة، بل قاطع الأحزاب التي فرّطت فيها. خرج ليقول بطريقته إن الزمن تغيّر، وإن المواطنين لم يعودوا بحاجة إلى خطابات خشبية، بل إلى من يسمعهم بصدق ويشاركهم الهمّ والأمل.
طنجة اليوم مدينة تتكلم بصوت أبنائها، لكن السياسيين فيها يصمتون. مدينة تنبض بالحياة، لكن فروع الأحزاب فيها بلا نبض. وإذا كانت الأحزاب لا تريد أن تنزل إلى الشارع لتتحدث مع الناس، فالناس سيتحدثون وحدهم. وهذه هي الحقيقة المؤلمة التي عرّاها جيل “زد”، بكل بساطة وصدق: الأحزاب السياسية في طنجة لم تعد حاضرة في زمن المدينة الجديد.
