من منح الترخيص ومن باع الوهم؟ أزمة تجزئة الريحان بجماعة اكزناية تصل إلى الرباط وتضع التعمير المحلي تحت المجهر

لم يعد ملف تجزئة الريحان بجماعة اكزناية ضواحي طنجة مجرد قضية محلية، بل تحول إلى رمزٍ لاختلالات عميقة في تدبير التهيئة والعقار، بعدما وجد مئات المواطنين أنفسهم محرومين من الماء والكهرباء ورخص البناء، رغم اقتناء بقعهم بشكلٍ قانوني وبعقود موثقة.
الساكنة نظمت قبل أيام وقفةً احتجاجية أمام وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة بالعاصمة الرباط، رفعت خلالها شعارات تطالب بتمكينها من حقها الطبيعي في الربط بشبكتي الماء والكهرباء، بعد أن رفضت جماعة اكزناية منحها الشواهد الإدارية الضرورية لذلك. وقد استقبل الكاتب العام لوزارة الإسكان ممثلي المتضررين، ووعد بدراسة الملف واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في القريب العاجل.
غير أن هذه الوعود لا تحجب الجوهر الحقيقي للمشكلة: فإذا كنا نريد حلاً فعلياً لأزمة الريحان، فلا بد من العودة إلى البداية — إلى اللحظة التي حصلت فيها هذه التجزئة على الترخيص، ومن رخص لها، وبأي شروط. كيف سمح لها أن تُسوَّق وتُباع بقعُها للمواطنين على أساس أنها مشروع قانوني قابل للربط بالمرافق الأساسية، بينما هي اليوم تُعامَل كتجزئة مخالفة للقانون؟
هنا يبرز بوضوح دور المنعش العقاري الذي «باع الوهم». فالجميع تقريباً يعرف من هو، ومن أين جاءت ثروته، ومصدر نشاطه العقاري، وهو أحد المستثمرين الكبار بمدينة طنجة. ونحن جميعاً استمعنا إلى كلمات الوالي يونس التازي خلال أشغال الجمع العام للوكالة الحضرية بطنجة، حين تحدث بشكل واضح عن هذا المنعش العقاري.
فالتقارير المحلية تفيد بأن التجزئة عرفت منذ البداية خروقات تعُميرية في مسطرة الترخيص والتتبع، ما جعل السلطات الوصية تعطل تسليم الشواهد الإدارية وتمنع الربط المباشر إلى حين تسوية الوضعية القانونية. غير أن من يدفع الثمن اليوم ليس المنعش العقاري ولا الجهة التي رخصت، بل أناس اقتنعوا بحلم امتلاك سكن قانوني، فوجدوا أنفسهم محاصرين بالظلام والعطش لسنوات.
أهالي الريحان اشتروا في وضوح تام، ودفعوا ثمن بقعهم وسجلوها بعقود رسمية، ولم يكن لهم أن يُدركوا ما خلف الكواليس من تراخيص ملتبسة ومساطر غير مستكملة. لذلك فهم ضحايا لا مذنبون. أما من باع الوهم فيجب أن يُحاسَب وفق القانون، تماماً كما ينبغي أن تتحمل الجهات الإدارية التي أجازت الترخيص المسؤولية عن أي خلل في المراقبة والتتبع. فالقانون فوق الجميع.
اليوم، بعد السنوات الطويلة من الانتظار، يطالب الساكنة بفتح تحقيق رسمي وشفاف لتحديد المسؤوليات بدقة: من منح الترخيص ومن باع، ومن تسبب في الحرمان المزمن من الخدمات الأساسية. كما يطالبون بأن يُلزم صاحب التجزئة بتحمل تكاليف الربط وتعويض المتضررين عن الأضرار المعنوية والمادية التي لحقت بهم.
ولأن الملفات المماثلة كثيرة في نواحي طنجة، فإن أزمة الريحان ليست حادثة منعزلة، بل نموذج لمسار تعُميري يحتاج إلى إعادة تدقيق وتقويم. حلّ هذا الملف لن يكون بمسكنات، بل بعودة جريئة إلى الملفات الأصلية وتطبيق القانون على الجميع بدون استثناء.
