حين تلجأ المعارضة إلى الذكاء الاصطناعي وتغضّ الطرف عن الواقع… حزب العدالة والتنمية والمعارضة الرومانسية ببني مكادة

في سياق يُفترض فيه أن تضطلع المعارضة بدورها الكامل في المراقبة والمساءلة، أثارت أشغال الدورة الأخيرة لمجلس مقاطعة بني مكادة نقاشًا واسعًا حول طبيعة الأداء السياسي داخل المجلس، وحدود الدور الذي يمارسه فريق حزب العدالة والتنمية، الذي انتقل، في نظر عدد من المتتبعين، من معارضة عُرفت تاريخيًا بالشراسة والصرامة، إلى معارضة وُصفت اليوم بـ“الرومانسية” واللينة.

الدورة، التي انعقدت داخل قاعة الندوات الجديدة للمقاطعة، كان يُنتظر منها أن تشكّل لحظة سياسية قوية لفتح ملفات الأولويات، وحسن تدبير المال العام، وجدوى بعض القرارات المثيرة للجدل. غير أن النقاشات، بدل أن تتجه نحو تفكيك هذه الاختيارات ومساءلة الرئاسة عنها، اتسمت بقدر من التساهل غير المفهوم، خصوصًا من طرف مستشاري العدالة والتنمية، الذين يُفترض فيهم الإلمام الدقيق بمشاكل المقاطعة وتفاصيلها اليومية.

اللقطة الأكثر إثارة للانتباه، والتي تحوّلت إلى حديث المتتبعين، تمثلت في لجوء مستشار من الحزب نفسه إلى سؤال “الذكاء الاصطناعي” عن مشاكل مقاطعة بني مكادة، في مشهد بدا للبعض معبّرًا عن انفصال غير مسبوق بين الممثل المنتخب وواقع دائرته. فالمقاطعة، التي تعاني من اختلالات واضحة في البنيات التحتية، والحفر، والإنارة العمومية، وتراكم الشكايات، لا تحتاج إلى بحث رقمي بقدر ما تحتاج إلى متابعة ميدانية ومعرفة مباشرة بالواقع.

هذا السلوك، وإن بدا للبعض عابرًا، اعتُبر لدى آخرين مؤشرًا مقلقًا على تراجع دور المعارضة داخل المجلس، وتحولها من فاعل رقابي إلى متفرج يكتفي بأسئلة عامة، ويتجنب الخوض في الملفات الثقيلة. وهو ما تجلّى بوضوح في الصمت الذي رافق قرار التخلي عن قاعة الندوات السابقة، التي كانت تؤدي وظيفتها بشكل عادي، وتعويضها بقاعة جديدة، دون تقديم مبررات مقنعة حول الكلفة أو الضرورة أو ترتيب الأولويات، في وقت تعاني فيه المقاطعة من خصاص مالي في مجالات أكثر إلحاحًا.

الأكثر إثارة للاستغراب، أن هذا الأداء المتراخي يصدر عن حزب كان، في مراحل سابقة، لا يتردد في رفع سقف النقد والمساءلة، بل وفي تحويل أبسط القرارات إلى معارك سياسية باسم حماية المال العام. وهو ما يفتح الباب أمام تساؤل مشروع: ماذا تغيّر اليوم؟ وهل فقدت المعارضة ذاكرتها السياسية؟

السؤال يزداد وجاهة عند استحضار ممارسات رئيس المقاطعة الحالي محمد الحمامي خلال فترات سابقة، حين كان في موقع مختلف، حيث عُرف بخطاب معارض حاد، وانتقادات لاذعة، ومواقف لا تقبل المهادنة. فهل نسي مستشارو العدالة والتنمية اليوم ذلك الماضي القريب؟ أم أن تبدّل المواقع السياسية كفيل وحده بتليين المواقف وإطفاء جذوة المعارضة؟

بعض المتتبعين ذهبوا أبعد من ذلك، معتبرين أن هذا التحول لا يمكن فصله عن مناخ عام من المجاملة السياسية، بلغ حدّ التساؤل الساخر: هل نحن أمام “حب سياسي غير معلن” بين مستشاري العدالة والتنمية ورئيس المقاطعة؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون “حبًا من طرف واحد”، تُمارَس فيه المعارضة بلطف مفرط، بينما تستمر الاختلالات على حالها؟

تعليقات أخرى ربطت هذا التحول بعوامل هامشية، من قبيل دعم أنشطة رياضية محلية أو مبادرات ظرفية، تساءل أصحابها بسخرية: هل يكفي دعم بسيط لدوري في كرة القدم لمحو الذاكرة السياسية، وتجاوز الماضي والحاضر معًا؟

ما يجري داخل مجلس مقاطعة بني مكادة لا يثير السخرية فقط، بل يطرح إشكالًا أعمق يتعلق بجوهر العمل التمثيلي. فالمعارضة، حين تفقد حدّتها ودورها الرقابي، لا تضر خصومها السياسيين بقدر ما تضر ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة، وتحوّل النقاش العمومي إلى مشهد باهت، تُستبدل فيه المساءلة بالمجاملة، والمعرفة الميدانية بأسئلة تُطرح خارج السياق.

بني مكادة اليوم في حاجة إلى معارضة واعية بدورها، متشبثة بذاكرتها السياسية، وقادرة على مساءلة القرارات قبل تمريرها، لا إلى معارضة تسأل الذكاء الاصطناعي عن مشاكل يعرفها الشارع قبل المنتخبين.

زر الذهاب إلى الأعلى