طنجة تربح الرهان

لم تدخل طنجة سباق تنظيم كأس أمم إفريقيا من باب الصدفة، ولا من موقع المجازفة غير المحسوبة، بل من زاوية التحدي الواضح: مدينة تعرف أن أعين القارة—بل والعالم—ستكون مشدودة إليها، وأن أي تعثر، مهما كان بسيطًا، سيُقرأ بتكبير شديد. غير أن ما تحقق على الأرض أكد أن طنجة لم تكن فقط في مستوى الرهان، بل تجاوزته، وقدمت نموذجًا تنظيميًا جعل اسمها يتردد على الصعيد الإفريقي والعالمي باعتبارها مدينة قادرة على إنجاح المواعيد الكبرى.

قلب هذا النجاح كان بلا منازع ملعب ابن بطوطة، الذي تحوّل في ظرف زمني قياسي إلى تحفة معمارية ورياضية حديثة، تستجيب لأحدث دفاتر التحملات الدولية، وتنسجم مع المعايير المعتمدة في أفق تنظيم تظاهرات من حجم كأس العالم 2030 تحت إشراف الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا). المسألة لا تتعلق فقط بسعة الملعب أو شكله الخارجي، بل بمنظومة متكاملة تشمل الذكاء التقني، السلامة، تدبير تدفقات الجماهير، الولوجيات، وتجربة المتفرج داخل فضاء رياضي ذكي، يضع طنجة في مصاف الملاعب الحديثة إفريقيًا وعالميًا.

هذا الإنجاز لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة عمل متواصل قامت به المقاولات المغربية، التي أكدت مرة أخرى قدرتها على تشييد منشآت معقدة بمعايير عالمية وبكفاءة عالية، مدعومة بيد عاملة مغربية راكمت خبرة ميدانية حقيقية. لقد كشف ورش ملعب طنجة، ومعه الأوراش المرافقة، أن الرهان على الكفاءة الوطنية ليس خيارًا اضطراريًا، بل اختيار استراتيجي ناجح، قادر على منافسة كبريات التجارب الدولية حين تتوفر الثقة والرؤية والصرامة في التنفيذ.

وفي قلب هذا المسار، برز الدور الحاسم للسلطة الترابية، ممثلة في والي جهة طنجة–تطوان–الحسيمة يونس التازي، الذي أشرف لشهور طويلة وبشكل مباشر على تتبع الأشغال، صباحًا ومساءً، دون انقطاع. إشراف ميداني دقيق شمل الملعب وكل الأوراش المحيطة به، وحرص على أن تظهر المدينة ومنشآتها في أبهى حُللها مع انطلاق العرس الإفريقي. هذا الحضور اليومي لم يكن بروتوكوليًا، بل عنصرًا حاسمًا في تسريع وتيرة الإنجاز، وضمان احترام الجودة والمعايير الدولية في أدق التفاصيل.

ولعل من أبرز الاختبارات التي أكدت صلابة هذا النجاح، الظروف المناخية الصعبة التي رافقت عددًا من مباريات البطولة بطنجة. فقد جرت أغلب اللقاءات تحت أمطار غزيرة ومتواصلة، في مشهد كان كفيلًا بإرباك أي تنظيم أو التأثير على أرضية الملعب. غير أن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا؛ إذ أبانت أرضية ملعب ابن بطوطة عن جودة تقنية عالية، بفضل نظام تصريف متطور حافظ على جاهزيتها، وضمان استمرار المباريات في ظروف مثالية، دون تأجيل أو تأثير يُذكر على الأداء أو سلامة اللاعبين. اختبار المطر، هنا، لم يكن تفصيلًا ثانويًا، بل برهانًا إضافيًا على أن ما أُنجز لم يكن شكليًا، بل مبنيًا على معايير دقيقة تحسب حساب أسوأ السيناريوهات.

نجاح طنجة لم يتوقف عند البنية التحتية، بل امتد إلى التنظيم المحيط بالحدث. فقد سُجل حضور جماهيري لافت وأجواء انضباطية عكست نضج التجربة التنظيمية، ونجاح السلطات في تدبير التدفقات البشرية دون فوضى. والأكثر دلالة أن الحدث ظل رياضيًا بامتياز، بعيدًا عن محاولات التوظيف أو “الركوب” السياسي، بفضل مقاربة ذكية في تدبير الحضور والتعبئة، جعلت المدرجات فضاءً للكرة والفرح الإفريقي، لا منصة للاستعراض، إلا في استثناءات محدودة لم تؤثر في روح التظاهرة.

خارج أسوار الملعب، تحولت طنجة إلى عاصمة إفريقية مصغّرة. منطقة المشجعين كانت القلب النابض للاحتفال، حيث امتزجت الأعلام والأزياء والموسيقى، في مشهد إنساني وثقافي لافت. جماهير السنغال على وجه الخصوص أضفت على المدينة ألوانًا خاصة، وحوّلت الساحات والشوارع إلى فضاءات فرح مفتوح، عكست عمق الروح الإفريقية في طنجة، وجعلت منها مدينة تتنفس القارة بكل تنوعها، وتبدو أكثر إشراقًا وجاذبية وهي ترتدي “التراث الإفريقي” في تفاصيل يومها ولياليها.

غير أن هذا المشهد المشرق لم يخلُ من نقطة سوداء واحدة: اختناق السير والجولان خلال أيام المباريات. ضغط مروري كبير و”بلوكاج” في عدد من المحاور، عاش معه المواطنون والزوار ساعات عصيبة، وهي معضلة كشفت أن نجاح التنظيم الرياضي لا يكتمل دون حلول بنيوية ومستدامة لملف التنقل الحضري، خاصة في مدينة تعرف تمددًا عمرانيًا وتسارعًا في وتيرة الأنشطة الكبرى. ورغم الجهود المبذولة، ظل هذا الملف الاستثناء الأبرز في صورة تنظيمية كانت، في معظمها، قوية ومقنعة.

ومع ذلك، تبقى الخلاصة واضحة: طنجة ربحت رهان تنظيم كأس أمم إفريقيا بامتياز، وقدمت صورة مدينة قادرة على تدبير حدث قارّي بمعايير عالمية، بمنشأة رياضية تستجيب لمتطلبات أفق كأس العالم 2030، وبأجواء احتفالية إفريقية صنعت الفرجة داخل وخارج المدرجات.

بل إن النجاح الذي ظهرت به طنجة، تنظيمًا وصورةً وحيويةً جماهيريةً، قد يجعلها من أبرز المدن المرشحة لنيل اهتمام أكبر داخل خريطة التظاهرات المقبلة، وربما احتضان مباريات أكثر أهمية ضمن مواعيد كبرى، في مقدمتها كأس العالم 2030. بين ملعب ذكي، وتدبير محكم، ومدينة تزيّنت بإفريقيا، كتبت طنجة صفحة مشرقة، وأكدت أن الرهان على الكفاءة المغربية—حين يقترن بالقيادة الميدانية والرؤية الواضحة—هو رهان رابح على الصعيدين الإفريقي والعالمي.

زر الذهاب إلى الأعلى