عندما يتحوّل هيجان البحر إلى فرصة… “السيليكا” تغيّر تكتيك التهريب الدولي للمخدرات بسواحل طنجة

تشهد الشواطئ المحيطة بمدينة طنجة، ولاسيما الممتدة من سواحل المدينة في اتجاه الشريط الساحلي الرابط بين طنجة وسبتة المحتلة، خلال هذه الأيام التي تتسم بسوء الأحوال الجوية وهيجان البحر، نشاطاً غير عادي لشبكات التهريب الدولي للمخدرات، في مشهد يعكس تحوّل الطقس العاصف من عامل ردع إلى فرصة محسوبة للمغامرة.
ففي الوقت الذي يلتزم فيه المواطنون الحذر، وتتراجع أنشطة الصيد والملاحة بسبب خطورة البحر، تجد شبكات التهريب في هذه الظروف هامشاً زمنياً ملائماً لمحاولة تنفيذ عمليات العبور، مستفيدة من ضعف الرؤية وصعوبة التدخل البحري في مثل هذه الحالات.
وحسب معطيات ميدانية متداولة في أوساط محاربة المخدرات، برز خلال السنوات الأخيرة اعتماد متزايد على نوع من القوارب المطاطية يُعرف داخل أوساط مهربي المخدرات باسم “السيليكا”. وهي تسمية غير تقنية وغير رسمية، بل لقب متداول بين المتورطين في التهريب الدولي للمخدرات، أُطلق على هذا القالب من القوارب بعد أن أثبت حضوره المتكرر في عمليات العبور خلال الظروف البحرية الصعبة.
ويتميّز زورق “السيليكا” بكونه مطاطياً، بسيط التجهيز، محدود السرعة مقارنة بزوارق “الفانتوم” السريعة. وغالباً ما يُزوَّد بمحرك واحد لا تتجاوز قوته حوالي 60 حصاناً، ما يجعل سرعته ضعيفة نسبياً. غير أن قوته الحقيقية تكمن في قدرته على مقاومة الأمواج والإبحار في بحر هائج، وهي خاصية حاسمة في توقيت يكون فيه التدخل البحري محفوفاً بالمخاطر.
ويُقدَّر ثمن هذا النوع من القوارب ما بين 30 و40 ألف يورو، أي ما يعادل حوالي 40 مليون سنتيم مغربي، وهو مبلغ يظل منخفضاً مقارنة بزوارق “الفانتوم” التي قد يتجاوز ثمنها 400 مليون سنتيم. هذا الفارق المالي يعكس تحوّلاً واضحاً في منطق التهريب، من الاعتماد على زوارق عالية السرعة وكلفة مرتفعة، إلى وسائل أقل ثمناً وأكثر قابلية للتعويض.
وتشير المعطيات ذاتها إلى أن قوارب “السيليكا” تُستعمل في الغالب لاستخدام واحد، حيث يتم التخلي عنها أو التخلص منها فور الوصول إلى الضفة الأخرى، سواء عبر الإغراق أو تركها بالشواطئ، في محاولة لتقليص الخسائر المالية وطمس المسارات المستعملة.
ويرى متتبعون للشأن الأمني أن هذا التحوّل يعكس تكيّفاً مستمراً لشبكات التهريب الدولي للمخدرات مع تشديد المراقبة، إذ لم تعد هذه الشبكات تراهن على السرعة المطلقة، بل على التوقيت المناسب، مستغلة فترات الاضطرابات الجوية التي تُقلّص هامش التدخل وتُعقّد عمليات الرصد.
وفي هذا السياق، تتحوّل الليالي التي تعرف رياحاً قوية وبحراً هائجاً إلى فترات نشاط مكثف، تحاول خلالها قوارب “السيليكا” التسلل نحو الشواطئ المقابلة، في مغامرة محفوفة بالمخاطر، لكنها محسوبة من طرف القائمين على هذه العمليات.
آخر تجليات هذا الأسلوب، كانت العملية التي أُحبطت بشاطئ الدالية بضواحي القصر الصغير، حيث فرّ منفذو محاولة تهريب 1.2 طن من مخدر الحشيش فور تدخل عناصر القوات المساعدة، مخلفين وراءهم زورقاً من نوع “السيليكا” والشحنة المحجوزة، في واقعة تؤكد أن هيجان البحر لا يوقف محاولات التهريب، بل يدفعها إلى مزيد من المجازفة.
ورغم ذلك، تؤكد مصادر أمنية أن محاربة التهريب الدولي للمخدرات لا تخضع للطقس ولا للتوقيت، وأن مختلف الأجهزة الأمنية تظل في حالة يقظة دائمة، حتى في أقسى الظروف المناخية. فبالنسبة للمهربين قد يبدو البحر الهائج امتيازاً، أما بالنسبة للسلطات فهو اختبار دائم للجاهزية والصرامة.
