بين وثيقة الحميدي وصمت أكوح… من يُحاسَب على التلميح بالفساد دون تبليغ؟

لا يزال الرأي العام بمدينة طنجة، وخصوصًا بمقاطعة بني مكادة، يترقب بقلق واهتمام مآلات تصريحات صادرة عن منتخبين يشغلون مواقع تمثيلية داخل المؤسسات المنتخبة، تصريحات لم تكن عادية في مضمونها ولا في توقيتها، لما حملته من تلميحات صريحة بوجود “معطيات خطيرة” و“وثائق” من شأنها، حسب تعبير أصحابها، أن تقود إلى تبعات جسيمة.
فمن جهة، فجّر محمد الحميدي، رئيس مجلس عمالة طنجة-أصيلة، جدلًا واسعًا حين صرّح علنًا بتوفره على وثيقة قال إنها كفيلة بـ“إدخال رئيس مقاطعة بني مكادة إلى السجن”، في إشارة مباشرة إلى محمد الحمامي.
تصريح بهذه الخطورة، صادر عن مسؤول منتخب، لا يمكن اعتباره مجرد زلة لسان أو سجال سياسي عابر، بل يضع صاحبه أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية واضحة:
إذا كانت الوثيقة موجودة فعلًا وتتضمن أفعالًا يشتبه في طابعها الجرمي، فلماذا لم تُحال إلى القضاء؟ ولماذا جرى الاكتفاء بالتلويح بها إعلاميًا؟
ومن جهة أخرى، أثار بلال أكوح، المستشار الجماعي المنتمي للحزب الاشتراكي الموحد، تساؤلات مماثلة خلال أشغال الدورة الأخيرة لمقاطعة بني مكادة، حين لمح بدوره إلى امتلاكه معلومات “خطيرة”، قبل أن يستدرك بالقول: “ما بغيناش نقولو كلشي”، في عبارة فهمها المتتبعون على أنها إقرار ضمني بوجود معطيات جسيمة مع الامتناع عن كشفها.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح أكبر، خاصة عندما يصدر هذا الموقف عن منتخب يساري يقدّم نفسه في صفوف محاربة الفساد والدفاع عن الشفافية:
ما الذي يمنع مستشارًا جماعيًا، يدّعي امتلاك معلومات خطيرة، من وضعها أمام الرأي العام أو إحالتها على الجهات المختصة؟
وهل يمكن تبرير الصمت بدواعٍ سياسية أو حسابات ظرفية، في قضايا يفترض أنها تمس المصلحة العامة؟
إن التلويح بالفساد دون كشفه، أو الإشارة إلى جرائم محتملة دون سلوك مسطرة التبليغ، لا يخدم لا الشفافية ولا الثقة في العمل التمثيلي، بل يفتح الباب أمام تأويلات خطيرة، ويُحوّل محاربة الفساد من ممارسة مؤسساتية إلى أداة ضغط أو ابتزاز سياسي.
وفي هذا السياق، كان لافتًا تدخل فاعلين ومتابعين للشأن المحلي، ممن اعتبروا أن إخفاء المعلومات، متى تعلقت بأفعال يُشتبه في كونها جرائم، لا يقل خطورة عن ارتكابها، وهو موقف يستند إلى منطق قانوني واضح يحمّل كل من يتوفر على معطيات ذات طابع جنائي مسؤولية التبليغ، لا المناورة.
أمام هذا الوضع، يظل السؤال المطروح على النيابة العامة والسلطات الوصية:
هل سيتم فتح تحقيق تلقائي في هذه التصريحات؟
وهل سيُستدعى أصحابها لتوضيح طبيعة ما بحوزتهم من وثائق أو معطيات؟
أم أن الأمر سيظل في حدود التصريحات المعلقة، التي تُستعمل لإثارة الرأي العام دون مساءلة؟
إلى ذلك الحين، يبقى الرأي العام الطنجاوي في وضع انتظار مشروع، انتظار الحقيقة كاملة، لا نصفها، لأن مكافحة الفساد لا تحتمل التلميح، بل تقتضي الوضوح، والشجاعة، والاحتكام إلى القانون.
