كلما نزل المطر غرق الحي: من يتحمل مسؤولية إغراق مجمع النخيل بطنجة؟ صاحب المشروع هشام دار البارود أم متدخلون آخرون؟

ليست الأمطار في حدّ ذاتها هي ما يصنع المأساة، ولا الفيضانات وحدها ما يفسر معاناة ساكنة مجمع النخيل بمدينة طنجة. فهنا، لا يحتاج الأمر إلى عاصفة استثنائية أو تساقطات قياسية حتى تتحول الحياة اليومية إلى معاناة مفتوحة على كل الاحتمالات. يكفي أن تهطل أمطار خفيفة، حتى يجد السكان أنفسهم محاصرين داخل حي يتحول في دقائق إلى بحيرة مائية، في مشهد تكرر إلى حدّ أفقده صفة “الطارئ” وجعله أقرب إلى واقع دائم.

شهادات السكان، التي تناقلتها صحف محلية ووثقتها مقاطع مصورة، تكشف حجم العبث الذي يعيشه الحي: طرق مقطوعة، مداخل غارقة، وتلاميذ يضطرون إلى تسلق الأسطح أو سلوك مسارات محفوفة بالمخاطر للوصول إلى مدارسهم، فيما لا يجد العمال والموظفون خيارًا سوى المجازفة للوصول إلى أعمالهم. هنا، لا يُطرح السؤال حول كمية الأمطار، بل حول سبب واحد يتكرر دون إجابة واضحة: لماذا يغرق مجمع النخيل كلما نزل المطر، بينما تصمد أحياء أخرى أمام نفس الظروف المناخية؟

وعندما يظهر السبب، يزول العجب. فمعاناة ساكنة هذا المجمع، بحسب متتبعين للملف، لا ترتبط بعوامل طبيعية بقدر ما ترتبط باختلالات واضحة في البنية التحتية، وبمشروع سكني لم تُستكمل فيه الشروط التقنية الضرورية لتصريف مياه الأمطار. وفي قلب هذا النقاش، يبرز اسم هشام دار البارود، صاحب المشروع، رجل الأعمال الطنجاوي المعروف والمثير للجدل، الذي يجد نفسه في صلب تساؤلات مشروعة حول المسؤولية، دون جزم أو اتهام مباشر، ولكن من منطلق مساءلة منطقية يفرضها حجم الضرر المتكرر.

ذكر اسم صاحب المشروع هنا ليس من باب الإثارة، بل لأن الإجابة عن أسئلة كثيرة تصبح بديهية عند العودة إلى أصل المشروع ومسار إنجازه. فحسب معطيات متداولة، فإن الحل التقني كان ممكنًا، ولا يزال ممكنًا، لو تم استكمال إنجاز مجرى مائي بمحاذاة المجمع، وهو المشروع الذي تعثر وتوقف، لتبدأ بعده لعبة تبادل المسؤوليات بين عدة أطراف. فمرة يُشار إلى حوض اللوكوس، ومرة إلى شركة “أمانديس”، ومرة أخرى إلى الجهات المكلفة بالتتبع والمراقبة، بينما تظل الحقيقة الثابتة أن الساكنة هي الطرف الوحيد الذي يدفع الثمن.

هذا الوضع خلق حالة من العبث الإداري، حيث تتقاذف الأطراف المعنية المسؤولية، في وقت تتكرر فيه الفيضانات، وتتضاعف الخسائر، ويزداد شعور السكان بأن معاناتهم لا تحظى بما تستحقه من جدية في التعاطي. ومع ذلك، يؤكد متابعون للملف أن الحل لا يحتاج إلى معجزات، بل إلى قرار واضح، وحسم تقني وإداري يضع حدًا لهذا النزيف اليومي.

وبمنطق المسؤولية القانونية والأخلاقية، فإن ما يعيشه سكان مجمع النخيل لا يمكن اختزاله في “سوء حظ مناخي” أو تحميله للأمطار وحدها، لأن الخلل هنا بنيوي ومعلوم المصدر. المسؤولية الأولى تتحملها الجهة التي أنجزت المشروع وسوّق له باعتباره فضاءً سكنيًا صالحًا للعيش، دون توفير الشروط التقنية الكفيلة بحماية السكان من أخطار متوقعة وبديهية، وعلى رأسها تصريف مياه الأمطار.

كما تمتد المسؤولية إلى باقي المتدخلين، من مصالح التتبع والمراقبة إلى الجهات المفوض لها تدبير الشبكات، كلٌّ بحسب اختصاصه وحدود تدخله، حين يتحول الصمت أو التأخر في المعالجة إلى مساهمة غير مباشرة في تعميق الضرر.

غير أن الأخطر في هذا المشهد، هو إحساس الساكنة بأنها تُركت وحدها في مواجهة واقع لا يد لها في صناعته، واقع يحاصرها مع كل تساقط، ويجعل من الحق في السكن الآمن مجرد شعار، بينما تتحول المعاناة اليومية إلى قدر مفروض على أسر اختارت العيش بكرامة، فوجدت نفسها رهينة اختلالات كان بالإمكان تفاديها لو قُدِّمت المسؤولية العامة على المصالح الضيقة.

زر الذهاب إلى الأعلى