الحميدي المتابع في قضية جرائم الأموال: “ترشيح ابني قرار دولة”.. تصريح خطير يعيد طرح أسئلة حول النخب السياسية

في الوقت الذي لم يحسم فيه القضاء بشكل نهائي في الملف الذي يتابع فيه امحمد الحميدي، بعد صدور حكم ابتدائي بعقوبة حبسية وانتقال القضية إلى مرحلة الاستئناف، فاجأ رئيس مجلس عمالة طنجة-أصيلة الرأي العام بتصريح مثير للجدل اعتبر فيه أن ترشيح ابنه للانتخابات المقبلة هو “قرار دولة”، وليس مجرد قرار شخصي أو عائلي.
وقد أثار هذا التصريح موجة واسعة من التساؤلات والانتقادات، ليس فقط بسبب مضمونه، ولكن أيضاً بسبب السياق الذي جاء فيه. فالحميدي، الذي يوجد منذ سنوات في قلب نقاش عمومي مرتبط بملفه القضائي، كان ينتظر منه كثيرون خطاباً أكثر حرصاً على احترام ذكاء المواطنين وأكثر انسجاماً مع مبادئ التنافس الديمقراطي، لا أن يقدم ترشيح ابنه باعتباره أمراً مرتبطاً بما سماه “قرار دولة”.
ففي الأنظمة الديمقراطية، لا تختار الدولة المرشحين للانتخابات، ولا تمنح التزكيات الحزبية، ولا تحدد مسبقاً من يجب أن يصل إلى المؤسسات المنتخبة. دور الدولة هو ضمان احترام القانون وتوفير شروط المنافسة الشريفة، بينما يبقى اختيار المرشحين من اختصاص الأحزاب، والحسم النهائي بيد الناخبين من خلال صناديق الاقتراع.
ولذلك فإن العبارة التي استعملها الحميدي لم تمر مرور الكرام، لأنها فتحت الباب أمام تأويلات عديدة وأسئلة مشروعة حول طبيعة الرسالة التي أراد إيصالها. فهل كان المقصود فعلاً أن الدولة تشجع الشباب على ولوج العمل السياسي؟ أم أن الأمر يتعلق بمحاولة تقديم ترشيح الابن في قالب يمنحه نوعاً من الشرعية السياسية المسبقة؟
وإذا كان المقصود هو تشجيع الشباب، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: لماذا الابن تحديداً؟ فالمغرب يزخر بآلاف الكفاءات الشابة داخل الأحزاب وخارجها، وشباب راكموا تجارب سياسية وجمعوية ومهنية مهمة وينتظرون بدورهم فرصة لإثبات قدراتهم داخل المؤسسات المنتخبة. أما حصر الحديث عن تجديد النخب في أبناء السياسيين، فإنه يطرح علامات استفهام حقيقية حول مدى الإيمان الفعلي بمبدأ تكافؤ الفرص.
كما أن هذا النوع من التصريحات يعيد إلى الواجهة النقاش حول ما إذا كانت بعض النخب السياسية قد استوعبت فعلاً التحولات التي عرفها المجتمع المغربي خلال السنوات الأخيرة. فالمواطن اليوم لم يعد يتقبل بسهولة الخطابات الغامضة أو العبارات الملتبسة، بل أصبح أكثر قدرة على طرح الأسئلة وقراءة ما وراء الكلمات.
الأكثر إثارة أن هذا التصريح يأتي في وقت ما زال فيه صاحبه ينتظر مآل ملف قضائي شغل الرأي العام، وهو ما جعل كثيرين يعتبرون أن الأولوية كان يفترض أن تكون لتوضيح المواقف المرتبطة بالشأن العام وبالثقة في المؤسسات، لا لإثارة نقاش جديد حول ترشيح الابن وربطه بما وصفه بـ”قرار دولة”.
ويرى متابعون أن أخطر ما في هذه الخرجة الإعلامية ليس ترشيح الابن في حد ذاته، فذلك حق يكفله القانون لأي مواطن تتوفر فيه الشروط المطلوبة، وإنما في الطريقة التي تم بها تقديم الأمر للرأي العام. فحين يسمع المواطن أن ترشيح شخص ما هو “قرار دولة”، فإن أول ما يتبادر إلى ذهنه هو التساؤل عن دور الأحزاب والمناضلين والناخبين، وعن معنى التنافس الانتخابي إذا كانت بعض الترشيحات تقدم بهذه الصيغة.
لقد كان بإمكان الحميدي أن يجيب ببساطة بأن ابنه، إن قرر الترشح، فسيكون مواطناً مثل غيره من المواطنين وسيحتكم إلى القواعد نفسها وإلى إرادة الناخبين. غير أن اختياره لعبارة “قرار دولة” جعل النقاش ينتقل من موضوع ترشيح الابن إلى موضوع أوسع يتعلق بطبيعة الخطاب السياسي السائد لدى جزء من النخب التي ما زالت تثير الجدل أكثر مما تقدم الأجوبة.
وفي النهاية، قد يكون هذا التصريح مجرد زلة سياسية غير محسوبة، وقد يكون محاولة للتعبير عن فكرة أسيء تقديمها، لكن المؤكد أنه أعاد إلى الواجهة أسئلة قديمة ومتجددة حول تجديد النخب السياسية، وحول حدود النفوذ العائلي داخل العمل الحزبي، وحول حاجة المشهد السياسي إلى خطاب أكثر وضوحاً واحتراماً لوعي المواطنين وانتظاراتهم.
