فضيحة غياب اتحاد طنجة عن مباراة المغرب الفاسي… هل كان العطب في الحافلة أم في التسيير؟

في الرياضة، كما في السياسة، أخطر ما يمكن أن يصيب مؤسسة عريقة هو أن تتحول من مشروع ميداني إلى مشروع صورة. أن يصبح “الاحتراف” عنواناً يُرفع في البيانات والمنشورات، لا سلوكاً يومياً يُترجم في الانضباط والتخطيط والاحترام الصارم للمواعيد. هذا التحول هو ما يخشاه جمهور اتحاد طنجة اليوم، وهو يرى ملامح النموذج ذاته الذي أثار كثيراً من الجدل داخل فرع كرة القدم، يتمدد بهدوء داخل فرع كرة السلة. احتراف يُسوَّق على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن حين تُقرع ساعة الحقيقة، تتقدم الأعذار على الأفعال، وتتوارى الجاهزية خلف بلاغ مقتضب.

ما حدث في فاس لم يكن حادثاً تقنياً عابراً، بل فضيحة رياضية بكل المقاييس. اتحاد طنجة لكرة السلة لم يحضر إلى مباراة رسمية ضمن البطولة الوطنية، فحُسم اللقاء لصالح المغرب الفاسي بنتيجة 20-0 بحكم القانون، بعدما حضر الفريق المستضيف في الموعد المحدد واستكمل كل الترتيبات التنظيمية. هنا لا نتحدث عن خسارة داخل الملعب، بل عن غياب عن الملعب، والفرق شاسع بين أن تُهزم وأنت تقاتل، وأن تُقصى لأنك لم تصل.

رواية “عطب الحافلة” التي قُدمت للرأي العام بدت، في نظر كثيرين، محاولة لتبسيط واقعة أعقد من أن تُختزل في خلل ميكانيكي. اتحاد طنجة لم يكن في تاريخه يسافر يوم المباراة إلى مدينة بعيدة كفاس. كان النهج دائماً واضحاً: التنقل قبل يوم، المبيت، التحضير الذهني والبدني، ثم خوض اللقاء في أفضل الظروف. هذه ليست رفاهية، بل أبجديات الاحتراف. فكيف يُكسر هذا التقليد فجأة؟ وكيف يُعقل أن يُغامر فريق يدّعي الاحتراف بالسفر في يوم المباراة، واضعاً مصير مواجهة رسمية تحت احتمال عطب طارئ؟

المعطيات تؤكد أن الفريق أمضى أسبوعاً كاملاً وهو يطالب بتأجيل المباراة، غير أن الجامعة الملكية المغربية لكرة السلة رفضت الطلب لغياب مبررات رسمية قاهرة. وإذا كان الرفض قد صدر بشكل واضح، فإن المسؤولية تقتضي إعادة ترتيب الأوراق وضمان الحضور، لا الاستمرار في الرهان على سيناريو غير مضمون. هنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل كان الفريق جاهزاً فعلاً لخوض هذه المواجهة؟ أم أن قرار عدم السفر جاء تتويجاً لسياق كامل من عدم الاستعداد؟

دون الدخول في تفاصيل قد تضر بمصلحة النادي، يمكن القول بصراحة إن كل المؤشرات توحي بأن اتحاد طنجة لم يكن في أفضل حالاته لخوض المباراة. وهذا ما يجعل “عطب الحافلة” يبدو أقرب إلى عنوان يغطي مشهداً أوسع من الارتباك وسوء التدبير. المؤسسات الكبيرة لا تُختبر في أيام الرخاء، بل في لحظات الضغط. وعندما تفشل في اجتياز الاختبار، فإن الخلل لا يكون في الطريق، بل في غرفة القرار.

الواقعة تحمل أيضاً أبعاداً أعمق تتصل بعلاقة النادي بالجامعة، وبحسابات سابقة رافقت سباق رئاسة الجهاز الوصي. اليوم، يجد اتحاد طنجة نفسه عاجزاً حتى عن تأجيل مباراة اعتبرها صعبة، ما يعزز الانطباع بأن سوء التقدير في التحالفات والحسابات قد انعكس على موقع النادي داخل المشهد الوطني. غير أن كل ذلك لا يُعفي المكتب المسير من مسؤوليته الأولى: حماية صورة الفريق وضمان حضوره فوق أرضية الملعب.

الحقيقة المؤلمة أن اتحاد طنجة، بهذا الغياب، أساء إلى تاريخه قبل أن يُسيء إلى خصمه. فريق كان يُعد من ركائز كرة السلة الوطنية لا يمكن أن يُسجل في تاريخه انسحاب فعلي بسبب عدم الحضور. الجمهور الذي طالما تغنى بانضباط ناديه وانتمائه لا يستحق أن يرى اسمه مقترناً بفضيحة إدارية.

الأمر أكبر من نقط ضائعة في جدول الترتيب. إنه مساس بالهيبة، وبالثقة، وبصورة نادٍ صنع مجده على الصرامة والتنافس الشريف. وإذا كان الحرص على مصلحة الفريق يفرض التحفظ في بعض التفاصيل، فإن الحرص ذاته يفرض الاعتراف بأن ما وقع خطأ جسيم في التدبير. الاحتراف ليس منشوراً على “فيسبوك”، ولا بياناً مصاغاً بعناية، بل هو احترام للمواعيد، وتوقع للمخاطر، وتحمل كامل للمسؤولية.

اتحاد طنجة كان مطالباً بأن يحضر إلى فاس ويخسر بشرف إن اقتضى الأمر، لا أن يغيب ثم يبرر. ففي الرياضة، كما في الحياة، الغياب لا يُبرَّر… بل يُحاسَب.

زر الذهاب إلى الأعلى