إهداء عمرة لمناصريه وملاك صفحات فيسبوكية… موضة انتخابية جديدة يشعلها سياسي بطنجة

مع حلول شهر رمضان، وفي أجواء يُفترض أن تطغى عليها الروحانية والتقرب إلى الله، برزت في بعض الدوائر السياسية بعمالة طنجة–أصيلة ظاهرة جديدة تُثير الكثير من علامات الاستفهام: “عمرة انتخابية” تُهدى يميناً وشمالاً لكبار الناخبين والأعيان والمؤثرين، في مشهد يبدو أقرب إلى حملة انتخابية مبكرة مغلفة بلباس ديني.
ففي الوقت الذي يُفترض أن تكون العمرة رحلة إيمانية خالصة، يتداول في الصالونات السياسية حديثٌ لا يكاد ينقطع عن هذا السياسي أو ذاك، وعن عدد الأشخاص الذين تكفّل بهم لأداء مناسك العمرة، وعن لوائح الأسماء التي تم انتقاؤها بعناية من داخل دوائر انتخابية محددة. وكأن الأمر لا يتعلق بسفر تعبدي، بل بترتيبات ميدانية لإعادة رسم الخريطة الانتخابية قبل أوانها.
وتشهد بعض وكالات الأسفار، بحسب معطيات متداولة، حركية غير مألوفة يقودها منتخبون ووسطاء سياسيون، يحجزون “حصصاً” كاملة من رحلات العمرة، ليس بدافع الإحسان المجرد، بل في إطار ما يُوصف داخل الكواليس بـ”الاستثمار الرمضاني” في كبار الناخبين. إنها لغة جديدة في الصراع الانتخابي، عنوانها الظاهر العبادة، وباطنها الحسابات الباردة لصناديق الاقتراع.
الأكثر إثارة أن أحد السياسيين البارزين بإحدى الجماعات الترابية التابعة لعمالة طنجة–أصيلة، والذي يسير جماعة محلية، يُتداول اسمه بقوة في هذا السياق. مصادر متقاطعة تتحدث عن استعداده للذهاب إلى العمرة رفقة عدد كبير من أنصاره وكبار الناخبين المؤثرين، بعد أن أدى مبالغ مالية وُصفت بالكبيرة لتغطية تكاليف الرحلة. ولم يتوقف الأمر عند الأعيان والناخبين، بل امتد – بحسب نفس المصادر – إلى بعض مسيري الصفحات الفيسبوكية المحلية، ممن ينشطون أخبار الجماعة ويدعمون توجهاتها.
هنا يبرز السؤال الأخلاقي قبل السياسي: متى تحولت العمرة من عبادة خالصة إلى وسيلة لاستمالة الأعيان وتوسيع الحضور الانتخابي؟ ومتى أصبح السفر إلى بيت الله الحرام جزءاً من استراتيجية التموضع داخل الدوائر والجماعات الترابية؟
إن استغلال الرمزية الدينية في معارك انتخابية مبكرة يُنذر بتكريس خلط خطير بين المقدس والسياسي. فالعبادات، في جوهرها، علاقة فردية بين العبد وربه، لا تحتاج إلى كاميرات ولا إلى قوائم أسماء ولا إلى حسابات انتخابية. وعندما تتحول إلى أداة للنفوذ، فإنها تفقد معناها الروحي وتدخل منطقة رمادية أخلاقياً وقانونياً.
الأخطر أن هذه الممارسات، إن ثبتت، قد تُفرغ العملية الانتخابية من مضمونها التنافسي الشريف، وتعزز ثقافة “الولاء مقابل الامتياز”، بدل البرامج والرؤى والمشاريع التنموية. فالمفترض أن يُستقطب الناخب بالبرنامج والإنجاز، لا بتذكرة سفر في موسم روحاني.
في مدينة مثل طنجة، التي تعيش على إيقاع تحولات عمرانية واقتصادية كبرى، يحتاج النقاش السياسي إلى الارتقاء نحو قضايا التنمية والتشغيل والخدمات العمومية، لا إلى سباق خفي حول من أهدى عمرة لأكبر عدد من المؤثرين. فالمستقبل لا يُبنى بالصور الجماعية أمام الحرم، بل بسياسات عمومية مسؤولة وشفافة.
