بعد طرد جمال العومي.. أسئلة محرجة تلاحق حزب الاستقلال بطنجة

قد يكون قرار حزب الاستقلال بعمالة طنجة-أصيلة القاضي بطرد المستشار الجماعي جمال العومي من صفوفه أحدث فصول الأزمة، لكنه بالتأكيد ليس بدايتها. فالبلاغ الذي أعلن القرار تحدث عن “مخالفات تنظيمية وأخلاقية جسيمة” و”إساءة لصورة الحزب ومؤسساته ومناضليه”، غير أنه لم يقدم للرأي العام المحلي أجوبة كافية حول الأسئلة الحقيقية التي يطرحها هذا الملف.

فإذا كانت خرجات العومي وتصريحاته قد بلغت من الخطورة ما يستوجب الطرد النهائي، كما يقول الحزب، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: أين كانت الأجهزة الحزبية طوال الأشهر الماضية؟ وكيف استمر منتخب يحمل لون الحزب ويمثله داخل مؤسسة منتخبة في الإدلاء بتصريحات أثارت موجات متتالية من الجدل والاستنكار قبل أن تقرر القيادة المحلية وضع حد لمساره التنظيمي؟

الحزب اختار في بلاغه لغة الإدانة والعقاب، لكنه لم يختر لغة المصارحة مع الرأي العام. لم يخرج ليقول للطنجاويين بوضوح ماذا وقع بالضبط، وما هي طبيعة الخلافات التي أوصلت الأمور إلى هذا المستوى. هل يتعلق الأمر فعلاً بسلوك فردي معزول؟ أم أن الأمر يعكس صراعاً داخلياً أعمق بين أجنحة وقيادات ومنتخبين داخل التنظيم؟ وهل كان العومي سبب الأزمة أم مجرد عرض من أعراض أزمة أكبر يعيشها الحزب محلياً؟

الأكيد أن المتتبعين للشأن السياسي بطنجة لم يعودوا يتذكرون حزب الاستقلال خلال الأشهر الأخيرة بسبب مبادرات سياسية أو مواقف قوية بشأن ملفات المدينة، بقدر ما يتذكرونه بسبب الخلافات المتكررة والردود المتبادلة والتبرؤ من التصريحات والخرجات المثيرة للجدل. وهو وضع يطرح أكثر من علامة استفهام حول واقع حزب كان إلى وقت قريب أحد أهم القوى السياسية والتنظيمية بالمدينة.

الأكثر من ذلك أن الملف لا يتعلق فقط بصورة الحزب، بل أيضاً بصورة المؤسسات المنتخبة. فجمال العومي لم يكن مناضلاً عادياً داخل التنظيم، بل مستشاراً جماعياً وصل إلى موقع المسؤولية عبر صناديق الاقتراع وتزكية حزبية. ولذلك فإن السؤال لا يتعلق فقط بمحاسبة المنتخب بعد وقوع الخطأ، بل أيضاً بمحاسبة الآليات التي أنتجته وقدّمته للناخبين على أنه مؤهل لتمثيل الساكنة والدفاع عن مصالحها.

وكان كثيرون ينتظرون من الحزب، قبل إعلان الطرد، أن يقدم اعتذاراً واضحاً وصريحاً لساكنة طنجة ولكل من شعر بالإساءة من بعض التصريحات التي أثارت موجة واسعة من الانتقادات. فالأحزاب السياسية لا تكتفي بمعاقبة من يخطئ، بل تتحمل أيضاً مسؤولية أخطائه أمام المواطنين الذين منحوها ثقتهم. أما الاكتفاء بقرار الطرد دون تقديم توضيحات كافية، فقد يبدو بالنسبة للكثيرين محاولة لإغلاق الملف تنظيمياً دون معالجة أسبابه الحقيقية.

وإذا كان حزب الاستقلال قد اعتبر أن طرد العومي ضروري لحماية صورته ومؤسساته، فإن الرأي العام ينتظر منه اليوم خطوة أخرى لا تقل أهمية: فتح نقاش داخلي حقيقي حول معايير التزكية والتأطير والانضباط، وحول وضعية عدد من المنتخبين الذين تثار حولهم بين الفينة والأخرى انتقادات وشبهات سياسية وأخلاقية وقضائية، لأن استعادة المصداقية لا تتم بقرارات معزولة، بل بإصلاح شامل يعيد الثقة في العمل الحزبي.

إن قضية جمال العومي لا تبدو في نظر كثير من المتابعين مجرد ملف تأديبي انتهى بقرار طرد، بل مرآة تعكس حجم التراجع الذي أصاب واحداً من أعرق الأحزاب السياسية بطنجة. فالسؤال الذي يواجه الحزب اليوم ليس لماذا طُرد جمال العومي، بل كيف وصل الحزب أصلاً إلى مرحلة أصبح فيها أحد منتخبيه يشكل عبئاً سياسياً وأخلاقياً عليه إلى درجة اضطر معها إلى إعلان الطرد النهائي في بلاغ رسمي.

وإلى أن يقدم الحزب أجوبة مقنعة عن هذه الأسئلة، سيبقى قرار الطرد خطوة ناقصة في نظر العديد من المتابعين، لأن معالجة النتائج لا تغني عن معالجة الأسباب، ولأن الأزمة الحقيقية قد لا تكون في شخص جمال العومي، بل في البيئة السياسية والتنظيمية التي سمحت بوصول الأمور إلى هذا الحد.

زر الذهاب إلى الأعلى