الليموري.. أو العمدة الذي يجلس فوق كرسي أكبر منه

منذ اللحظة الأولى التي اعتلى فيها منير الليموري كرسي عمودية طنجة، بدأ كثيرون يطرحون تساؤلات مشروعة حول مدى جاهزيته السياسية لقيادة مدينة بحجم طنجة، بثقلها الرمزي والاقتصادي والديموغرافي.
ورغم أنه جاء مدعومًا بتحالف ثلاثي وطني قوي، ضمّ حزبه الأصالة والمعاصرة إلى جانب الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار، فإن الرجل لم ينجح في الحفاظ على هذا التحالف أكثر من أسابيع معدودة. وبدا أن القوة التي حملته إلى المنصب لم تكن كافية لتعويض ضعف بنيته السياسية، ولا افتقاده للكاريزما القيادية الضرورية في مثل هذه المواقع.
لم تمر سوى شهور حتى بدأت ملامح الانهيار الداخلي تظهر داخل مجلس جماعة طنجة. المستشارون من الأغلبية قبل المعارضة، أخذوا يبتعدون بصمت أو يوجهون انتقاداتهم علنًا.
التماسك الذي ميّز جلسات بداية الولاية تحوّل إلى تصدّع واضح، وبات المجلس ساحة مشحونة بالصمت، بالتذمّر، وبالخلافات المضمرة.
أكثر من ذلك، انكمش محيط العمدة إلى دائرة ضيقة لا تتعدى نائبين أو ثلاثة، بينما جمد آخرون تواصلهم معه، وبدت مؤسسة المكتب الجماعي شبه مشلولة، فاقدة للروح والفعالية.
الخطير أن هذا الفشل لم يقتصر على مستوى التنسيق الجماعي، بل امتد إلى بيت العمدة السياسي نفسه، حيث انفجرت التوترات داخل فريق حزب الأصالة والمعاصرة، لتصل ذروتها مؤخرًا مع الاستقالة المفاجئة والمعلنة لرئيس الفريق محمد الحميدي.
الحميدي، الذي يُعد أحد الوجوه البارزة للحزب بالمدينة، لم يُخف في استقالته استياءه العميق من طريقة تدبير العمدة، ما يُشير إلى قطيعة صريحة مع نمط القيادة، وليس مجرد خلاف عابر.
وهنا تحديدًا، تتأكد الصورة: العمدة الذي كان يُفترض أن يكون صانع توازنات وقائد انسجام، أصبح مصدر شرخ وفرقة.
لا مبادرة سياسية، لا قدرة على التجميع، ولا مرونة في التعاطي مع مكونات الأغلبية.
فإذا كان حلفاؤه قد غادروا الصف باكرًا، فإن أقرب المقربين إليه باتوا اليوم خارج الدائرة، رافضين دعمه، أو غير معنيين حتى بمصيره السياسي.
هذه الأزمة ليست فقط أزمة تواصل أو انسجام، بل هي انعكاس لفجوة كبيرة بين حجم المنصب وحجم الرجل.
طنجة، المدينة الكبرى التي تحتاج إلى شخصية قادرة على جمع الفرقاء، وإدارة التنوع، وتحويل المجلس إلى قوة فاعلة في التنمية، تجد نفسها عالقة مع رئيس مجلس غير قادر على تثبيت حتى أركان مكتبه.
ومن هنا، يصبح من المشروع أن نتساءل: ما جدوى الاستمرار في قيادة سياسية فقدت شرعيتها الواقعية حتى داخل حزبها؟ وهل ستظل طنجة تدفع ثمن خيار سياسي ارتجالي، بُني على توافق مركزي لا يعكس موازين القوة ولا الكفاءة على المستوى المحلي؟
الليموري يجلس اليوم على كرسي أكبر من قدراته.
كرسي يتطلّب أكثر من مجرّد انتماء حزبي، أو دعم مركزي، أو تحالف شكلي.
يتطلّب وعيًا عميقًا بأن الجماعة مؤسسة سياسية قبل أن تكون تقنية، وأن العمدة ليس موظفًا يدير المصلحة، بل قائدًا يضبط الإيقاع العام، ويصنع اللحظة السياسية، ويجمع المختلفين على قاعدة المصلحة العامة.
أما وقد فشل في ذلك، فربما آن الأوان لطرح السؤال بجرأة:
هل بقاء الرجل على رأس جماعة طنجة يخدم المدينة أم يفاقم أزمتها؟
