طنجة بين الإهمال والاستفاقة: هل آن أوان مستشفى يليق بكرامة المرضى النفسيين؟

في مدينة بحجم طنجة، التي تُقدَّم باعتبارها قاطرة اقتصادية وواجهة متوسطية للمملكة، يبدو الحديث عن مستشفى جديد ومتخصص في الأمراض العقلية أقرب إلى تصحيح تأخر مزمن منه إلى إنجاز استثنائي. مصادر مطلعة كشفت أن عدداً من المؤسسات المنتخبة شرعت في دراسة اتفاقية صادرة عن مصالح وزارة الداخلية لإحداث هذا المرفق الصحي، في ظل الوضعية المتدهورة التي يعيشها مستشفى الرازي للأمراض العقلية، والتي يصفها مهنيون بالحالة الكارثية.

الوصف ليس مبالغة لغوية. فالمستشفى الحالي يعاني، وفق شهادات متقاطعة، من اكتظاظ حاد، وخصاص في الموارد البشرية، وبنيات متهالكة، وطاقة استيعابية لا تواكب النمو الديموغرافي المتسارع للمدينة ولا حاجيات جهة بأكملها.

حين تصبح مؤسسة صحية متخصصة في مجال حساس كالصحة النفسية عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية، فإن الأمر يتجاوز إشكال التدبير ليطرح سؤال الإرادة والسياسات العمومية. طنجة لم تعد مدينة متوسطة الحجم يمكن تبرير ضعف بنياتها الصحية بضعف الإمكانات. هي قطب اقتصادي وصناعي، تستقطب استثمارات وطنية وأجنبية، وتشهد تحولات اجتماعية عميقة تفرض ضغطاً متزايداً على الخدمات العمومية، وفي مقدمتها الصحة النفسية.

هذه الأخيرة لم تعد ترفاً أو ملفاً هامشياً، بل ضرورة ملحة في سياق تتصاعد فيه الاضطرابات النفسية المرتبطة بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية، وبالإدمان والهشاشة والعنف الأسري وغيرها من التحديات. السؤال المطروح اليوم: هل نحن أمام استفاقة حقيقية من وضعية منكوبة طال أمدها، أم أمام مبادرة ظرفية لامتصاص ضغط متزايد؟ الإعلان عن دراسة اتفاقية لا يعني بالضرورة أن المشروع دخل مرحلة التنفيذ، ولا يضمن توفر الاعتمادات الكافية، ولا يجيب عن إشكالية الموارد البشرية المتخصصة التي تعاني خصاصاً وطنياً.

الرأي الذي يفرض نفسه بوضوح هو أن طنجة كانت تحتاج منذ سنوات إلى مستشفى حديث للأمراض العقلية، بمواصفات تحترم كرامة المرضى وتستجيب للمعايير الطبية المعتمدة، ومندمج ضمن شبكة علاجية جهوية تضمن التكفل والمتابعة وإعادة الإدماج. استمرار الاعتماد على بنية مهترئة لا يليق بمدينة بحجم طنجة ولا بجهة ذات وزن ديموغرافي واقتصادي كبير.

زر الذهاب إلى الأعلى