وسط هجرة الشباب وتهالك الطرق وتفاقم الهشاشة.. عياشة تستعد لاحتضان ماطا في نسخة جديدة من مهرجان “العكر على الخنونة”

بعد أيام قليلة، ستتحول جماعة أربعاء عياشة بإقليم العرائش إلى وجهة للضيوف الرسميين والزوار الأجانب ووسائل الإعلام بمناسبة دورة جديدة من مهرجان “ماطا” الدولي للفروسية. وستُرفع الشعارات المعتادة حول صون التراث وتثمين الهوية الثقافية والانفتاح على العالم، وستُلتقط الصور التذكارية وسط الخيول والفرسان، فيما ستُقدَّم المنطقة مرة أخرى باعتبارها نموذجاً للثراء الحضاري الذي تزخر به جبالة.

غير أن الصورة التي ستُعرض على المنصات الرسمية تختلف كثيراً عن الواقع الذي تعيشه المنطقة طيلة أيام السنة.

فخلف الأضواء والبروتوكول والاستقبالات الرسمية، تظل عياشة ومحيطها القروي من المناطق التي تواجه تحديات تنموية واجتماعية حقيقية، تجعل الكثير من السكان يتساءلون بمرارة عن الحصيلة الفعلية لكل هذه السنوات من تنظيم مهرجان ماطا، وعن نصيب المنطقة من كل هذا البريق الذي يرافقه.

السؤال يزداد مشروعية عندما يتعلق الأمر بآل بركة، الذين ارتبط اسمهم بهذا الموعد منذ سنوات طويلة، وفي مقدمتهم نزار بركة، وزير التجهيز والماء والأمين العام لحزب الاستقلال، الذي يعرف المنطقة جيداً ويزورها باستمرار ويستعد لخوض الاستحقاقات الانتخابية بهذه الدائرة. فالرجل لا يحتاج إلى تقارير أو زيارات استطلاعية لاكتشاف واقع المنطقة، لأنه على معرفة دقيقة بمشاكلها وتحدياتها وبحجم الانتظارات التي تحملها الساكنة منذ سنوات.

ومع ذلك، لا تزال المنطقة تعاني من أوضاع اجتماعية واقتصادية صعبة، عنوانها الأبرز البطالة والهشاشة وضعف فرص الاستثمار وفرار الشباب نحو المدن الكبرى أو نحو الهجرة الخارجية بحثاً عن مستقبل أفضل. ففي الوقت الذي تتحول فيه عياشة إلى واجهة دولية لبضعة أيام، يعيش عدد كبير من أبنائها واقعاً مختلفاً تماماً، حيث أصبحت الهجرة بالنسبة للكثيرين خياراً إجبارياً أكثر منها اختياراً شخصياً.

وتبقى البنية التحتية أحد أبرز مظاهر هذا التناقض. فالعديد من المسالك والطرق الرابطة بين الدواوير ما زالت تعاني من التهالك وضعف التأهيل، في مشهد لا ينسجم مع صورة منطقة تستقبل سنوياً وفوداً رسمية وشخصيات من داخل المغرب وخارجه. كما أن هشاشة الشبكة الطرقية وصعوبة التنقل في عدد من المحاور القروية لا تزال تشكل عبئاً يومياً على الساكنة، رغم أن القطاع المشرف على الطرق والتجهيز يوجد على رأسه وزير يرتبط اسمه السياسي بالمنطقة نفسها.

أما الخدمات الأساسية، فلا تزال بدورها دون مستوى تطلعات الساكنة، سواء تعلق الأمر بالماء أو الإنارة أو التطهير السائل أو فرص التنمية المحلية القادرة على تثبيت السكان في أرضهم. وهي ملفات عمرت طويلاً وأصبحت جزءاً من النقاش المحلي المتواصل حول أسباب استمرار التهميش في منطقة يفترض أن تستفيد من الزخم الإعلامي والمؤسساتي الذي يرافق المهرجان.

ولا يتعلق الأمر هنا بالاعتراض على التراث أو على مهرجان ماطا في حد ذاته، بل بطرح سؤال جوهري حول الأولويات. فحين تُرصد للمهرجان ميزانيات ضخمة وإمكانات تنظيمية ولوجستية مهمة كل سنة، يصبح من حق الساكنة أن تتساءل: لماذا لا يتم تحويل جزء من هذا الجهد إلى مشاريع تنموية مستدامة تعود بالنفع المباشر على المنطقة وسكانها؟

لماذا لا يصبح المهرجان مناسبة لإطلاق مشاريع حقيقية لفائدة الدواوير المجاورة؟ ولماذا لا يترك وراءه أثراً تنموياً دائماً بدل أن يظل حدثاً موسمياً ينتهي بانتهاء آخر عرض وآخر صورة تذكارية؟

لقد نجح مهرجان ماطا في بناء صورة دولية لنفسه، ونجح في استقطاب شخصيات ووفود من داخل المغرب وخارجه، ونجح في تكريس حضوره ضمن أبرز التظاهرات التراثية بالمملكة. لكن السؤال الذي لا يزال معلقاً هو: هل نجح بالقدر نفسه في تغيير واقع المنطقة التي تحتضنه؟

فالساكنة لا تحتاج فقط إلى مهرجان ناجح، بل تحتاج إلى تنمية ناجحة. ولا تحتاج فقط إلى ضيوف يزورون المنطقة ثلاثة أيام في السنة، بل تحتاج إلى مشاريع تخلق فرص الشغل وتحسن ظروف العيش وتمنح الشباب سبباً للبقاء بدل البحث عن مستقبلهم بعيداً عنها.

لقد اعتادت المنطقة كل سنة استقبال سياسيين ومنتخبين وشخصيات نافذة وأصدقاء آل بركة، يأتون للمشاركة في هذا الموعد السنوي والتقاط الصور وسط الخيام والفرسان والوفود الأجنبية، قبل أن يغادروا بمجرد إسدال الستار على فعاليات المهرجان. أما ما يبقى بعد ذلك، فهو واقع مختلف تماماً: أسر تواجه الهشاشة، وشباب يهاجرون، وبنية تحتية يصفها كثير من أبناء المنطقة بالمتعثرة، وانتظارات تنموية لم تجد طريقها بعد إلى التحقق.

لهذا يبدو المثل الشعبي المغربي “العكر على الخنونة” الأقرب إلى توصيف هذا المشهد. فبدل معالجة الأعطاب البنيوية العميقة التي تعاني منها المنطقة، يجري كل سنة تجميل الواجهة وإعادة إنتاج الصورة نفسها، بينما تظل الأسئلة الجوهرية معلقة دون أجوبة واضحة.

وعندما تنطفئ الأضواء وتغادر الوفود الرسمية وتعود السيارات الفارهة إلى وجهاتها، يبقى سكان عياشة وحدهم في مواجهة واقعهم اليومي، منتظرين دورة جديدة من المهرجان، ووعوداً جديدة بالتنمية، وصوراً جديدة للبريستيج، فيما تبقى المنطقة في حاجة إلى ما هو أكثر من مهرجان، وأكثر من خطاب، وأكثر من صورة تذكارية.

إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس كيف سينظم مهرجان ماطا هذه السنة، بل ماذا قدم هذا المهرجان فعلياً لعياشة بعد كل هذه السنوات؟ وهل تحولت المنطقة إلى شريك في الاستفادة من إشعاعه، أم أنها ظلت مجرد خلفية جميلة لصورة موسمية تتكرر كل عام؟

زر الذهاب إلى الأعلى