مراحيض بـ15 مليون درهم تتآكل قبل افتتاحها… من يحاسب على عبث المال العام بطنجة؟

وجدت جماعة طنجة نفسها مجددا في قلب جدل تدبيري جديد يطرح أكثر من علامة استفهام حول كيفية صرف المال العام وتتبع المشاريع الممولة من ميزانية الجماعة، وذلك بعد ظهور مؤشرات واضحة على تدهور بعض تجهيزات مشروع المراحيض العمومية ذاتية التنظيف، الذي كلف خزينة المدينة أزيد من 15 مليون درهم، رغم أن هذه المرافق لم تُفتح بعد في وجه المواطنين ولم تؤدِ أي خدمة تبرر حجم الاعتمادات المرصودة لها.

وبحسب معطيات متطابقة، فإن عدداً من الوحدات التي تم تثبيتها في مواقع مختلفة بالمدينة بدأت تظهر عليها آثار التلف والإهمال، في مشهد يختزل حجم الاختلالات التي باتت تطبع تدبير بعض المشاريع العمومية بطنجة، حيث تتحول الاستثمارات المعلن عنها إلى منشآت معطلة قبل أن ترى النور فعلياً.

المفارقة الصادمة أن المشروع قُدم في بدايته باعتباره نموذجاً للمدينة الذكية والعصرية، القادرة على توفير خدمات عمومية حديثة تستجيب للمعايير الدولية في النظافة والراحة. غير أن الواقع يكشف اليوم صورة مغايرة تماماً، إذ تحولت هذه المرافق إلى رموز لهدر الزمن التنموي والمال العمومي، بعدما ظلت مغلقة لأشهر طويلة، دون أي تفسير مقنع للرأي العام حول أسباب التأخر في تشغيلها.

وتعيد هذه الواقعة إلى الواجهة سؤال الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة أن أي مشروع عمومي يفقد جزءاً من قيمته التقنية والمالية بمجرد بقائه معطلاً لفترات طويلة، فما بالك بمنشآت إلكترونية وتجهيزات حساسة تتطلب صيانة ومراقبة مستمرة للحفاظ على جاهزيتها.

كما تطرح القضية تساؤلات ملحة حول طبيعة الدراسات التي سبقت إطلاق المشروع، ومدى نجاعة آليات التتبع والمراقبة التي يفترض أن تواكب مختلف مراحل الإنجاز، فضلاً عن مسؤولية الجهات المكلفة بالتنفيذ والتسلم التقني لهذه المنشآت.

وإذا كانت الجماعة قد بررت في مناسبات سابقة بعض التأخيرات بوجود إكراهات تقنية أو إدارية، فإن استمرار الوضع الحالي يجعل تلك التبريرات غير كافية أمام واقع منشآت بدأت تتعرض للتقادم والتلف قبل استقبال أول مستعمل لها. وهو ما يعكس خللاً أعمق في ثقافة تدبير المشاريع العمومية، حيث يتم التركيز على الإعلان عن الصفقات والميزانيات أكثر من التركيز على ضمان النتائج وتحقيق الأثر الفعلي على حياة المواطنين.

إن ما يحدث في ملف المراحيض العمومية ذاتية التنظيف لا يتعلق فقط بمرافق صحية، بل يشكل اختباراً حقيقياً لمدى احترام مبادئ الحكامة الجيدة وحماية المال العام. فالمواطن الطنجاوي الذي يتابع هذه التطورات من حقه أن يعرف كيف صُرفت ملايين الدراهم، ولماذا ظلت هذه المنشآت خارج الخدمة، ومن سيتحمل مسؤولية تدهور تجهيزات لم تُستعمل أصلاً.

وفي انتظار فتح تحقيق إداري وتقني يوضح ملابسات هذا الملف، يبقى السؤال معلقاً: كيف يمكن لمشروع وُلد بهدف تحسين صورة المدينة وخدماتها أن يتحول إلى عنوان جديد لسوء التدبير وغياب المحاسبة؟

زر الذهاب إلى الأعلى