تصريح تبون بطعم الفشل ولغة التهديد.. هروب غير مبرر من واقع محتوم
بقلم: الدكتور أحمد درداري أستاذ التعليم العالي في العلوم السياسية بجامعة عبد المالك السعدي، ورئيس المركز الدولي لرصد الأزمات واستشراف السياسات بمرتيل.

لقد أبان تصريح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، خلال لقائه مع وسائل الإعلام حول الأوضاع العامة في دولة تونس، عن حمولة الفشل الذريع، حيث أكد أن الجزائر تعتبر أمن تونس جزءًا من أمنها، وهو ما يبين مستوى الإحراج الذي وصلت إليه العلاقات بين النظام العسكري وسلطة قيس سعيد، الذي حام حوله الخناق بسبب الاحتجاجات الحالية في تونس، فلم يجد أمامه غير تلك الشماعة المعتادة، متهماً بوجود أطراف “تريد زعزعة استقرار تونس”، في تلميح إلى المغرب، في حين أن السبب هو جر الجزائر قيس سعيد إلى مستنقع الانحياز دون رضى الشعب التونسي الواعي والمثقف والمناضل، والإجهاز على عقود من النضال السياسي والحقوقي. ويراهن الرئيس الجزائري بذلك على رفض عزل تونس عن الجزائر حتى تبقى فريسة سهلة، ويؤكد، بالكلام القاطع، أنه لن يسمح بتحرر تونس من تبعيتها للجزائر، وأنه مستعد لتحريك القوة العسكرية لاستعمار تونس والحلول محل قيس سعيد، ضدًا في الشعب التونسي، المقرر الوحيد في حياته الوطنية سياسيًا وهوياتيًا وأمنيًا واقتصاديًا وثقافيًا.
واستخدام كلمة الإرهاب، بلهجة شديدة، معتبراً أن “من يأتي بالإرهاب إلى جوار تونس أو لتهديد تونس سنهدم خيمته على رأس والديه وسنسحقه”، هو دليل على الفشل في بسط اليد على الجوار ورفض الطوق الذي تفرضه الشعوب لقبضة العسكر على شؤون الحكم مغاربياً وإفريقياً.
فهناك من يعتبر تصريح عبد المجيد تبون حماية للتدخل في الشؤون الداخلية الذي تعرضت له تونس تحت اسم تقديم دعم جزائري لها، وأن عبارة “مواجهة لأي تهديد أمني” دليل على التحكم في شؤون تونس، بينما ناقشت بعض وسائل الإعلام الإقليمية الأبعاد السياسية والأمنية وعلاقتها بالأوضاع الإقليمية.
الواقع المحتوم
إن الدوافع الحقيقية لتصريح الرئيس الجزائري هي نجاحات المملكة المغربية التي تفوقت بفضل مقاربات جيوستراتيجية ذكية ورصينة ومتطورة، حيث أثبتت الدبلوماسية الملكية والرؤية المستقبلية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس للعلاقات المتينة مع الدول الكبرى، وصيغ التفاعل الذكية والإيجابية مع الشركاء الاستراتيجيين للمملكة المغربية، والتي تحولت إلى قوة ضغط على الشارع الجزائري، وعرّت الفشل الكبير الذي راكمه نظام العسكر في إدارة العملية الديمقراطية والتنموية.
وقد سبق لجلالة الملك محمد السادس أن زار العاصمة التونسية خلال عام 2014 كأول قائد عربي قام بزيارة لهذا البلد الشقيق، وذلك خير دليل على مؤازرة المملكة المغربية والشعب المغربي لدولة وشعب تونس، رافضًا بذلك فوضى “الربيع العربي” وشبح الإرهاب الحقيقي، حيث أكد ملاحظون تونسيون في تلك الفترة أن جولة الملك المغربي على الأقدام في شوارع تونس حملت رسالة قوية مفادها وجود الأمن والاستقرار في تونس، ومثلت كذلك دعماً للانتقال الديمقراطي وتشجيع القطاع السياحي لهذا البلد الرائع.
وقد كتبت المدونة أحلام عبدلي آنذاك: “شكراً لجلالة الملك محمد السادس، شعبنا سيتذكر أنه ذات يوم من أيام 2014، وتونس في أزمة اقتصادية خانقة، وسياحتها تئن تحت ضربة إرهابية موجعة، قام ملك صديق لتونس بجولة في شوارع العاصمة، وصافح أهلها وسمح بصور تذكارية مع أبنائها وبناتها وكأنه في مراكش أو فاس”.
كما سبق للمغفور له جلالة الملك الحسن الثاني أن أدلى بتصريح له حول تعرض دولة تونس وشعب تونس الحر والمستقل للاعتداء، قائلاً إن الجيش المغربي رهن إشارة تونس الشقيقة، رافضًا بذلك أي مساس بسيادة تونس وحقوق الشعب التونسي.
وما يزيد في إحراج النظام العسكري الجزائري هو مراهنته على التعاطي مع شؤون الدول المجاورة بمنطق التهديد العسكري والرهان على الفوضى من أجل إبقاء اليد على قصر المرادية والتحكم في مستقبل الشعب التونسي، في حين يسجل رفض الشعب التونسي لمشروع هدم الديمقراطية التونسية وبنيان الدولة الحرة، تضييقًا على النظام العسكري الجزائري.
ومن جهة أخرى، فإن تطور ملف الصحراء المغربية اقتصادياً، من خلال إطلاق تسمية دونالد ترامب على الطريق الرابطة بين تزنيت والداخلة، وإعلان الرئيس الأمريكي عن اعتزازه بهذا التشريف الراقي من طرف المملكة المغربية لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وتعهده بالسفر عبر طول هذا الطريق في المستقبل القريب، ثم قيام السفير الأمريكي، هذا اليوم، بزيارة الأقاليم الجنوبية وحلوله بمدينة العيون من أجل تدارس الشراكات الاقتصادية والاستثمارية، كل هذا الوخز يقف وراء استعمال الرئيس الجزائري للنبرة الحادة، واستعماله لغة التهديد، وتناوله كلمة الإرهاب في تصريحه بهدف شرعنة التدخل العسكري في تونس وضد المغرب.
والرسالة البليدة في معناها واضحة، ولا تنجي من مواجهة واقع اجتماعي جزائري فاضح للتخبط العشوائي، بعيداً عن قضايا الشعب الجزائري الشقيق، وتسخير قوة البلاد وتمويلها من أجل التدخل في شؤون وقضايا لا تعود بالنفع على الشعب الجزائري، ومنها محاولة جعل تونس نسخة معيبة لقياس التخلف والتهرب من وضعية تقاس فيها التنمية والتطور والنماء.
