دخول مدرسي بطنجة على مقاس تجار التعليم الخصوصي.. نقص المدارس العمومية يفرض على الأسر فواتير جديدة !

مع حلول الموسم الدراسي الجديد، تجد عدد من الأسر بطنجة نفسها أمام معادلة صعبة لا تبدأ من شراء الكتب واللوازم المدرسية، وإنما من البحث أولاً عن مقعد دراسي يضمن لأبنائها متابعة الدراسة في ظروف مناسبة.
وبينما يفترض أن يشكل التعليم العمومي الخيار الأساسي والمتاح أمام الأسر، فإن الخصاص المسجل في عدد من المناطق، خصوصاً مع التوسع العمراني المتسارع، يدفع المزيد من العائلات إلى طرق أبواب المؤسسات التعليمية الخصوصية.
المشكل لا يرتبط فقط بوجود مدارس من عدمه، وإنما بمدى قدرة العرض العمومي على مواكبة النمو الحضري والديموغرافي الذي تعرفه طنجة. فعدد من الأحياء والتجمعات السكنية الجديدة ظهرت بوتيرة سريعة، في وقت لم تواكبها دائماً البنيات التعليمية العمومية بالسرعة نفسها، لتجد الأسر نفسها أمام واقع يجعل التعليم الخصوصي، الذي يفترض أن يكون اختياراً، أقرب في بعض الحالات إلى حل مفروض بحكم الأمر الواقع.
وبالنسبة إلى الأسرة، فإن الانتقال من التعليم العمومي إلى الخصوصي لا يعني فقط تغيير المؤسسة التعليمية، وإنما يعني تحمل أعباء مالية شهرية وسنوية إضافية. فإلى جانب واجبات التمدرس، هناك تكاليف النقل والكتب واللوازم والأنشطة، وأحياناً المطعم والخدمات الإضافية، وهي مصاريف أصبحت تشكل ضغطاً متزايداً على ميزانية الأسر، خصوصاً بالنسبة إلى الطبقة المتوسطة.
وتزداد حدة هذا النقاش في طنجة بالنظر إلى التوسع اللافت للاستثمار الخاص في المجال التعليمي، سواء من خلال إحداث مؤسسات جديدة أو استغلال عقارات واسعة لهذا الغرض. وأصبح العقار المخصص للمدارس الخاصة جزءاً من المشهد العمراني للمدينة، في وقت تواجه فيه المؤسسات العمومية تحدياً آخر يتمثل في توفير الوعاء العقاري اللازم لإحداث مدارس جديدة.
وهنا تبرز مفارقة تستحق النقاش: ففي الوقت الذي يتعذر فيه أحياناً توفير العقار الكافي لإحداث مؤسسة عمومية في مناطق تعرف كثافة سكانية مرتفعة، يتوسع الاستثمار الخاص في العقارات التعليمية، مستفيداً من الطلب المتزايد على هذا النوع من التعليم.
ولا يتعلق الأمر، بطبيعة الحال، بوضع القطاع الخاص في مواجهة القطاع العمومي، فالمدرسة الخصوصية جزء من المنظومة التعليمية ولها دورها واستثماراتها، لكن الإشكال يبدأ عندما يصبح ضعف العرض العمومي عاملاً يدفع الأسر، بشكل غير مباشر، نحو السوق التعليمية الخاصة.
طنجة التي تشهد توسعاً عمرانياً كبيراً مطالبة اليوم بأن تجعل المدرسة جزءاً من التخطيط الحضري، وليس مرفقاً يجري البحث عنه بعد اكتمال بناء الأحياء. فكل مشروع سكني جديد يعني أعداداً جديدة من التلاميذ، وكل توسع عمراني لا تواكبه مؤسسة تعليمية عمومية يعني مزيداً من الضغط على المدارس القائمة، ومزيداً من الأسر التي قد تضطر إلى البحث عن بديل خارج التعليم العمومي.
كما أن معالجة الخصاص لا ينبغي أن تقتصر على بناء مدارس جديدة داخل المناطق التي ظهر فيها الاكتظاظ، وإنما يفترض أن تقوم على رؤية استباقية تحدد الحاجيات المستقبلية، وتحجز الأوعية العقارية المخصصة للتعليم قبل أن تتحول الأراضي إلى فرص استثمارية يصعب توفيرها لاحقاً بكلفة معقولة.
وفي الوقت الذي تدخل فيه الأسر الطنجاوية الموسم الدراسي وهي تحسب كلفة الكتب والملابس والنقل، تضيف بعض الأسر إلى هذه الحسابات بنداً أكثر ثقلاً: واجبات التعليم الخصوصي. وهو ما يجعل الدخول المدرسي بالنسبة إلى فئات واسعة ليس مجرد محطة تربوية، بل موعداً سنوياً لإعادة ترتيب ميزانية الأسرة.
