طنجة تُباع بالمتر: عمارات جديدة تُجمّل القبح وتُفرغ المدينة من هويتها

في واجهة كورنيش طنجة، ترتفع مجموعة من العمارات الجديدة يُروَّج لها بكثافة على أنها مشاريع “حديثة” ستُعيد رسم ملامح المدينة وتدفع بها نحو مستوى عمراني متقدّم. لكن خلف هذا الخطاب الترويجي اللامع، تتكشّف حقائق مغايرة، أقل ما يقال عنها إنها تجسيدٌ صارخ لعملية تجميل القبح، بل وتفريغ المدينة من هويتها تحت غطاء “التنمية”.
التصاميم التي يتم إنجازها في هذا المجمع العقاري لا تعكس أي رؤية عمرانية متناسقة، بل تبدو كأجسام هندسية هجينة وباردة، لا تنسجم مع بعضها ولا مع الطابع الجغرافي والرمزي لطنجة. فبدل أن تُعبّر عن هوية المدينة المتوسطية ذات الخصوصية الثقافية والبصرية، تأتي هذه البنايات بأشكال متنافرة، يُراد بها تحقيق أقصى استغلال ممكن للمساحات على حساب الجمالية والتناغم مع المحيط.
في هذا السياق، لا يمكن إغفال الطريقة التي يُسوّق بها لهذا المشروع وغيره. فبميزانيات ضخمة تُضخ في الإعلانات والمنصات الرقمية، يُقدَّم المشروع كمفخرة عمرانية وواجهة حضارية جديدة. لكن الواقع أن هذا التجميل الإعلامي لا يُخفي حقيقة أن المدينة تُجَرّد من ذاكرتها المعمارية، وتُلبَس ثوبًا بلا ملامح، بلا روح، بلا انتماء.
الأخطر من ذلك أن بعض هذه المشاريع تُبنى على أنقاض الذاكرة ذاتها، أو في محيطها المباشر. ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما جرى تداوله مؤخرًا من تسريبات لتصاميم تشمل الموقع الذي توجد فيه مدرسة واد المخازن، المعلمة التربوية التي تأسست سنة 1955، وكانت لسنوات رمزًا من رموز التعليم والارتقاء الاجتماعي في طنجة. ورغم فشل محاولات سابقة لهدم المدرسة بفضل موقف بعض الوزراء المتعاقبين، فإن المؤشرات الحالية توحي بوجود نية مبيّتة لإعادة طرح الفكرة بشكل مقنّع، عبر دمجها تدريجيًا في مشروع عقاري فاخر يُراد تمريره بجرعات إعلانية محسوبة.
هذه الممارسات تندرج ضمن منطق استثماري لا يأبه بالمكان، ولا يراعي ذاكرته، بل يُخضع كل شيء لمنطق السوق، حيث تتحوّل العقارات إلى سلعة منفصلة عن تاريخها وسياقها، ويغدو الحيز الحضري مجرد مساحة متاحة للبيع، لا بوابة إلى هوية أو فضاء عيش مشترك.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: من يمنح التراخيص لمثل هذه المشاريع؟ وأين هي لجان التعمير والهيئات المعنية بجودة الفضاء العمراني؟ بل من يقيّم هذه التصاميم ويقيس مدى انسجامها مع رؤية المدينة، أو مع دفتر تحملات يُفترض أنه وُضع من أجل الحفاظ على التوازن الجمالي والبيئي للواجهة البحرية لطنجة؟
إن ما يحدث اليوم هو طمس تدريجي للملامح الأصيلة للمدينة، وتعويضها بمباني زجاجية صمّاء، لا علاقة لها بتاريخ طنجة ولا بجغرافيتها الإنسانية. إنها عملية “إبدال قسري” لهوية عمرانية متراكمة، بمشاريع تجارية سريعة، لا ترى في المدينة سوى فرصة للربح، حتى لو كان الثمن هو محو ذاكرة المكان.
وسيسجل التاريخ هذه اللحظة المعمارية المشوّهة، وسيسائل يوماً ما من سهّل، ومن بارك، ومن غضّ الطرف، عن مشاريع تُفرّغ طنجة من خصوصيتها، وتستبدل معالمها بركامٍ من الإسمنت اللامع. فليس كل بناءٍ تنمية، وليس كل زجاجٍ جمالاً، وليس كل مشروعٍ يُجمّل وجه المدينة… بل أحيانًا، قد يُقزّمه.
