صيف التناقضات بطنجة.. أرقام قياسية في الوافدين وموسم سياحي يئن تحت الغلاء والفوضى

في الوقت الذي تشهد فيه موانئ إسبانيا حركة عبور غير مسبوقة للجالية المغربية نحو الوطن، وفي ظل تسجيل أرقام رسمية تفيد بارتفاع عدد الزوار والمبيتات الفندقية، تعيش مدينة طنجة مفارقة حادة تكشف عن اختلال بنيوي في تدبير الموسم السياحي، وتطرح أكثر من علامة استفهام حول جدوى السياسات المحلية في مجال السياحة والخدمات.

فوفق معطيات صادرة عن وزارة الداخلية الإسبانية، فإن أزيد من 1.280.000 مسافر و316.000 مركبة عبرت من الموانئ الإسبانية نحو المغرب بين 15 يونيو و31 يوليوز 2025، في إطار عملية “مرحبا”، بزيادة قدرها 2.5% مقارنة بسنة 2024. هذه الأرقام تدحض صراحة الروايات المتداولة حول فتور الجالية المغربية تجاه زيارة الوطن هذا الصيف.

وعلى المنوال ذاته، كشفت تقارير المرصد الوطني للسياحة عن ارتفاع عدد ليالي المبيت بالمؤسسات الفندقية المصنفة بجهة طنجة – أصيلة إلى 648.520 ليلة بين يناير وماي 2025، مقارنة بـ 521.585 ليلة خلال نفس الفترة من العام الماضي. بل إن شهر ماي وحده سجل أكثر من 190.000 ليلة مبيت بمعدل ملء بلغ 53%، رغم التراجع الطفيف مقارنة بالسنة الماضية.

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يشكو المهنيون والتجار وأرباب المطاعم من ركودٍ تجاريٍ خانق، وانخفاضٍ مقلق في حجم الاستهلاك، ما يحوّل صيف طنجة إلى فصل ملغوم بالتناقضات: عدد الزوار في تزايد، والإقبال لا ينقطع، لكن جيوب الفاعلين المحليين تكاد تُفرَغ.

فأين يكمن الخلل؟

يبدو أن غلاء الأسعار الفاحش في الشقق المفروشة والفنادق والمطاعم قد ألقى بظلاله الثقيلة على التجربة السياحية، وقلّص من مدة الإقامة وحجم الإنفاق، إن لم يدفع بالبعض إلى تغيير الوجهة أو الاعتماد على بدائل أقل كلفة. فسماسرة الموسمية استباحوا الشوارع، وفرضوا أثمنة خارج أي منطق، في ظل صمت مطبق من السلطات الرقابية، وتراجع حضور الشرطة الإدارية، وانعدام أي تدخل مؤسسي لضبط الأسعار أو حماية المستهلك.

أما المطاعم، فقد نصّبت نفسها في مصاف المطابخ العالمية، من حيث الأثمنة لا الجودة، وقدّمت خدمات دون المستوى في ظل غياب المراقبة الصحية. ومع غلاء فنجان القهوة والوجبة البسيطة، لم يعد مستغربًا أن يبحث الزائر عن سندويتش من متجر مجاور بدل ارتياد المقاهي السياحية، أو يختار الشراء من الأسواق الكبرى بدل ارتياد المطاعم.

هذا الوضع خلق انطباعًا خاطئًا لدى التجار والمهنيين بأن الجالية لم تعد تزور طنجة، في حين أن الأرقام الرسمية تثبت العكس. لكن الفارق الحقيقي يكمن في سلوك استهلاكي متحوّل، فرضته الظروف الاقتصادية الدولية، وأسعار الصرف، والغلاء المحلي غير المبرر.

والمفارقة الأشد قسوة أن كل هذه المعطيات تُقرأ في غياب تقارير ميدانية مغربية دقيقة. فلا أرقام رسمية تُفكّك الظاهرة، ولا دراسات تُحلل سلوك السياح أو اختياراتهم، ولا مؤشرات تُقيّم فعالية السياسات العمومية المحلية في استقبال موسم الصيف، وكأننا نُدير السياحة بالحدس والانطباع، لا بالمعطى والرقم.

في المحصلة، ما تعيشه طنجة هذا الصيف ليس أزمة زوار، بل أزمة إدارة، وأزمة وضوح، وأزمة توازن بين العرض والخدمة. فالمدينة لا تفتقر للجاذبية، لكنها تفتقر لحماية زوارها من جشع بعض المستثمرين الموسميين، ولسياسة واضحة تُجنّبها السقوط في فوضى موسمية تتكرر كل عام.

فهل تعي الجهات الوصية حجم الأزمة المركبة؟
وهل يكون صيف 2025 بداية لفتح هذا الملف بجرأة ومهنية؟
أم أن طنجة ستظل، رغم كل مقوماتها، ضحية لفوضى موسمية لا تريد أن تنتهي؟

زر الذهاب إلى الأعلى