من يُبذّر أموال طنجة؟.. إعادة أشغال شارع علال بن عبد الله تُكرّر فضيحة سور المعكازين

في مشهد يلخص حجم العبث الذي بات يطبع بعض مشاريع البنية التحتية بمدينة طنجة، انطلقت صباح اليوم أشغال جديدة لاقتلاع الأرصفة بشارع علال بن عبد الله، رغم أن الأشغال السابقة التي همّت تهيئة هذا الشارع الحيوي لم يمضِ على انتهائها سوى أيام معدودة. مشهد خلّف صدمة في صفوف المارة وساكنة المنطقة، الذين تساءلوا: كيف يُعقل أن تُصرف الأموال العمومية وتُستنزف الموارد والوقت، ليُعاد كل شيء من جديد وكأن شيئًا لم يكن؟
ما وقع في شارع علال بن عبد الله ليس استثناء، بل هو تكرار صارخ لما حدث قبل أسابيع في سور المعكازين، حين أُعيدت الأشغال من الصفر، رغم أن المشروع كان قد انتهى رسميًا. نفس السيناريو، نفس التبذير، نفس الصمت المريب. والنتيجة واحدة: ضياع المال العام، غياب المحاسبة، وتراكم مظاهر العشوائية في مدينة يُفترض أنها تسير نحو العالمية.
ما يثير الغضب أن هذه المشاريع يتم الترويج لها في البداية كجزء من خطط التهيئة والتأهيل الحضري، لتتحول لاحقًا إلى عنوان للفشل المتكرر، دون أن يظهر أي مسؤول لتقديم شروحات، أو حتى الاعتراف بوجود خلل ينبغي تصحيحه. بل إن الأخطر هو غياب أي بلاغ رسمي أو توضيح تقني، ما يزيد من حالة الاحتقان لدى المواطنين.
حسب مهندس مختص، فإن طريقة الترصيف المستعملة في هذه الأشغال ترقيعية، ولا تحترم المعايير المعتمدة في مشاريع الأرصفة الحديثة، بل إن المواد والتقنيات المُستخدمة محكومة بفشل مسبق، لأن عمرها الافتراضي لا يمكن أن يصمد أمام الاستعمال المكثف الذي يعرفه هذا الشارع الحيوي. وهذا يطرح تساؤلات جدية: من يحدد المعايير؟ من يُراقب جودة التنفيذ؟ ومن يوقّع على انتهاء الأشغال وهو يعلم أنها غير صالحة؟
ولا يمكن الحديث عن هذه الواقعة دون التذكير بما جرى خلال دورة مجلس مقاطعة طنجة المدينة، حين احتج عدد من المستشارين على غياب الشركة المكلّفة بالأشغال، ورفضها تقديم توضيحات حول عدد من النقاط التقنية. بل إن الشركة لم تحضر أصلًا، في سابقة تعكس حجم الاستهتار بالمساءلة المؤسساتية، وكأن الشأن المحلي بات خارج أي رقابة أو محاسبة.
طنجة لا تستحق هذا العبث. فإذا كان شارع علال بن عبد الله وسور المعكازين قد تحوّلا إلى رمزين لهذا التسيب، فكم من مشروع آخر يعيش نفس المصير في صمت؟ وكيف يمكن لمدينة تستعد لاحتضان تظاهرات دولية، مثل كأس العالم، أن تُدار بهذه الطريقة؟ ما يحدث اليوم هو فضيحة مكتملة الأركان، ويستدعي فتح تحقيق عاجل لتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات.
إن ما جرى لا يمكن اختزاله في “خطأ هندسي” أو “تداخل في الاختصاصات”، بل هو تجلٍّ واضح لسوء التدبير وتبذير المال العام، في غياب أي إرادة حقيقية للإصلاح والمساءلة. وإذا لم تتم محاسبة المتورطين، فإن هذا النموذج من التسيير العشوائي سيستمر، وسيدفع المواطن الثمن من جيبه، ومن ثقته، ومن كرامته.
