مسيرة أولاد زروال… بنسخة طنجاوية

ما وقع اليوم بساحة مرشان يُعيد إلى الذاكرة، دون حاجة إلى كثير تأويل، مسيرة أولاد زروال؛ ذلك النموذج الذي استقرّ في الوعي السياسي المغربي كتوصيف لمسيرات لا تُبنى على وعي بالقضية ولا تنبع من قناعة ذاتية، بل تُدار بمنطق التوجيه، ويُستدعى لها أشخاص بسطاء لا تعنيهم تفاصيل الملف، ولا يفهمون خلفياته، ولا يدركون رهاناته الحقيقية. فالمشهد، بكل عناصره، لم يُظهر نقاشًا عموميًا ناضجًا ولا احتجاجًا واعيًا، بقدر ما كشف عن توظيف اجتماعي واضح، حيث جرى الدفع بمواطنين لا علاقة لهم بجوهر الموضوع إلى الواجهة لأداء أدوار مرسومة سلفًا.
الخرجة لم تكن دفاعًا عن مصلحة عامة، ولا تعبيرًا عن موقف مدروس، بل رسالة موجهة بوضوح إلى المستشار الجماعي زكرياء أبو النجاة، مفادها: “سير بحالك”. لا لأنه أخطأ، ولا لأنه اعتدى على حق أحد، بل لأنه اختار الوقوف إلى جانب مطلب بسيط ومشروع: الحفاظ على فضاء عمومي مخصص للعب الأطفال، ورفض تحويله إلى ملعب بادل يخدم فئة محدودة، في حي يعاني أصلًا خصاصًا صارخًا في فضاءات الطفولة والتنفس.
زكرياء أبو النجاة، الذي سبق أن نظم وقفات سلمية بمرشان، لم يقُد مسيرات، ولم يستدعِ أطفالًا ولا نساءً، ولم يتخفَّ خلف هشاشة الناس ولا بساطتهم. كل ما فعله هو الدفاع عن حق جماعي واضح، وطرح سؤال جوهري حول منطق تدبير المدينة، وحول تحويل الفضاءات المشتركة إلى مشاريع ربحية، ولو كان الثمن إقصاء الأطفال من آخر متنفس لهم.
لكن حين تُفلس الحجج، ويصبح النقاش مزعجًا لأصحاب المصالح، يُستدعى منطق أولاد زروال. تُحشد الجموع بدل تقديم المعطيات، ويُستثمر الجهل بتفاصيل الملف بدل الشفافية، ويُدفع مواطنون لا يفهمون معنى المشروع ولا خلفياته ولا مستفيديه الحقيقيين، ليواجهوا مطلبًا لا يهددهم بل يحمي أبناءهم. هنا لا نكون أمام اختلاف في الرأي، بل أمام توظيف اجتماعي مرفوض، يُحوَّل فيه الإنسان البسيط إلى أداة، ويُستعمل القاصر كورقة ضغط، ويُختزل النقاش العمومي في مشهدية فارغة.
هذا الأسلوب لا يسيء فقط إلى قضية الفضاء العمومي، بل يسيء أيضًا إلى من جرى استعمالهم، لأنه يفترض فيهم العجز عن الفهم، ويُقحمهم في معركة لا تخصهم، في تعارض صريح مع روح دولة الحق والقانون، ومع التوجيهات السامية للملك محمد السادس نصره الله، الداعية إلى حماية الطفولة، وصون الفضاءات المشتركة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ومن حق الرأي العام، اليوم، أن يتساءل بوضوح: هل ستتحرك النيابة العامة لفتح تحقيق في شبهة استغلال الأطفال والبسطاء في هذه المعارك غير البريئة؟ أم أن هذا النوع من الممارسات سيُمرَّر باعتباره “تعبيرًا عفويًا” رغم كل المؤشرات المعاكسة؟
وفي الأخير، ومن باب الدقة، لا أحد يدّعي أن من خرجوا اليوم هم “أولاد زروال” بالمعنى الحرفي، ولا أنهم نزلوا بدافع ذاتي خالص. لكن المؤكد أنهم ليسوا أبناء هذه القضية ولا أصحاب مصلحتها الحقيقية. هم، في الغالب، أبناء توجيهٍ ما، وأدوات في يد من هم أكبر منهم.
قد يكونون أولاد هشام، أو أولاد أنس، أو أولاد اسم آخر أكثر نفوذًا وحضورًا. والسؤال الذي يفرض نفسه بهدوء وذكاء هو: هل ستجد طنجة نفسها، مع تكرار هذا الأسلوب، مضطرة لابتكار تسميتها الخاصة لهذا النوع من المسيرات الموجَّهة؟ وهل سنسمع مستقبلًا عن “مسيرة أولاد هشام” أو “مسيرة أولاد أنس”، كما ترسخ في الذاكرة مصطلح مسيرة أولاد زروال؟ الإشكال، في كل الحالات، لن يكون في الاسم، بل في المنطق الذي يسمح بتحويل البسطاء إلى أدوات، بدل أن يكونوا شركاء واعين في نقاش عمومي يُفترض أن يُدار بالحجة لا بالتوجيه.
