حرب الاصطفافات في طنجة: انتخابات على وقع الرغبة في طيّ صفحة الليموري

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، تعيش مدينة طنجة على إيقاع مبكر لحرب سياسية غير معلنة، عنوانها الأساسي هو الصراع حول من سيظفر بعمودية المدينة، بينما جوهرها الحقيقي يرتبط بمحاولة طيّ مرحلة العمدة الحالي من دون الوقوع في فراغ سياسي أو إعادة إنتاج نفس الاختلالات.
المشهد اليوم لا تحكمه البرامج ولا النقاشات العمومية الجدية، بقدر ما تتحكم فيه اصطفافات متحركة وتحالفات تُنسج في الكواليس، هدفها الأول ضمان المواقع المتقدمة في الخريطة المقبلة للمجلس الجماعي.
مرحلة الليموري، مهما اختلفت القراءات حولها، أفرزت حالة من التململ داخل الشارع الطنجي، وشعوراً عاماً بأن المدينة لم تستثمر كما يجب وزنها الاقتصادي وموقعها الاستراتيجي. البعض يختزل هذه المرحلة في ضعف التواصل وغياب المبادرة السياسية، والبعض الآخر يربطها بمنظومة تدبير محلي أكبر من شخص العمدة نفسه. لكن الثابت أن هناك رغبة واضحة لدى فاعلين سياسيين كثر في إعلان نهاية هذه المرحلة، ليس دائماً بدافع التقييم الموضوعي، بل أحياناً بدافع تصفية الحسابات أو استرجاع مواقع ضاعت.
هذا السياق فتح الباب أمام حرب اصطفافات حقيقية، حيث لم تعد الخلفيات الإيديولوجية أو المرجعيات السياسية عائقاً أمام التحالف. أحزاب كانت تتبادل الاتهامات في السابق، تجد نفسها اليوم في خندق واحد، وأسماء لم تكن حاضرة في النقاش العمومي يجري تقديمها فجأة كبدائل جاهزة، في محاولة لركوب موجة السخط العام. الخطر هنا أن يتحول الاستحقاق الانتخابي إلى مجرد عملية تقنية لتغيير الوجوه، من دون أي التزام فعلي بتغيير أسلوب التسيير أو منطق اتخاذ القرار.
الأكثر إثارة للقلق هو أن سؤال المشروع غائب تقريباً عن هذا السباق المبكر. لا حديث جدي عن مشاكل النقل، ولا عن فوضى التعمير، ولا عن التفاوتات المجالية داخل المدينة، ولا عن فرص الشغل للشباب. التركيز منصبّ على من سيتحالف مع من، ومن يمتلك مفاتيح الحسم الانتخابي، وكأن عمودية طنجة جائزة سياسية لا مسؤولية ثقيلة تتطلب رؤية وقدرة على التنفيذ.
من وجهة نظر، طيّ مرحلة الليموري لا يجب أن يكون هدفاً في حد ذاته، بل نتيجة طبيعية لتقييم سياسي هادئ ومسؤول. أما إذا كان الهدف هو فقط إسقاط مرحلة لتعويضها بأخرى مشابهة في الأداء والاختلالات، فإن المدينة ستكون الخاسر الأكبر. المعركة الحقيقية ليست في إسقاط اسم أو صعود اسم آخر، بل في إعادة الاعتبار للسياسة المحلية كأداة خدمة عمومية، لا كآلية لتقاسم النفوذ.
طنجة اليوم أمام مفترق طرق. إما أن تُستثمر الانتخابات المقبلة لإحداث قطيعة حقيقية مع منطق التدبير البارد والاصطفافات الانتهازية، أو أن تتحول إلى حلقة جديدة في مسلسل سياسي يعيد إنتاج نفسه. في الحالتين، وعي الناخب سيكون عاملاً حاسماً، لأنه وحده القادر على فرز من يريد فعلاً خدمة المدينة، ممن يسعى فقط إلى الظفر بالعمودية.
