منتخبون “ظهر عليهم الخير” في مرحلة التدبير الجماعي بطنجة.. من أين لك هذا؟

منذ انطلاق مراحل متقدمة من التدبير الجماعي بمدينة طنجة، أصبح من الصعب تجاهل التحولات السريعة التي طرأت على أوضاع عدد من المنتخبين، تحولات لم تعد مجرد ملاحظات عابرة أو تأويلات مغرضة، بل وقائع تفرض سؤالًا مشروعًا يردده الشارع الطنجاوي بصوت مرتفع: من أين لك هذا؟

السؤال لا يحمل نزعة شعبوية ولا يستهدف أشخاصًا بأسمائهم، بقدر ما يعكس حاجة ملحة إلى المحاسبة والشفافية، خصوصًا حين يدخل بعض المنتخبين إلى المجالس الجماعية بموارد محدودة، ثم “يظهر عليهم الخير” بشكل لافت خلال فترة قصيرة من تحمل المسؤولية. هنا لا يعود الصمت فضيلة، بل يتحول إلى تواطؤ غير معلن، ويغدو التطبيع مع الإثراء المشبوه خطرًا يهدد ما تبقى من الثقة في العمل السياسي.

طنجة، التي ما تزال تواجه اختلالات بنيوية في النقل، والتعمير، والخدمات، لا يمكنها تحمل كلفة منتخبين نجحوا في تحسين أوضاعهم الشخصية أكثر مما نجحوا في تحسين شروط عيش المواطنين. المفارقة الصادمة أن الحصيلة الجماعية تبدو متواضعة، في مقابل توسع لافت في الامتيازات، وتراكم سريع للثروات، وظهور أنماط عيش لا تنسجم مع الدخل المعلن ولا مع منطق الخدمة العمومية.

الأخطر من الإثراء ذاته هو اعتياده داخل المشهد المحلي، حين يصبح النفوذ أداة للاستثمار، وتتحول القرارات الجماعية إلى بوابة للمصالح المتقاطعة، ويُقدَّم الذكاء في استغلال الموقع بديلا عن النزاهة في التدبير. في هذه اللحظة، تفقد السياسة معناها، وتتحول المؤسسات المنتخبة إلى فضاءات للربح بدل أن تكون أدوات للتنمية.

المطلوب اليوم ليس إطلاق الاتهامات جزافًا، ولا تصفية الحسابات عبر الإعلام، بل إعمال القواعد التي يفترض أنها تحكم العمل العام: التصريح الحقيقي بالممتلكات قبل وبعد تحمل المسؤولية، تفعيل آليات المراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتمكين الصحافة والمجتمع المدني من أداء دورهما دون تضييق أو ترهيب. فالمسؤول الذي لا يخشى شيئًا، لا يجد حرجًا في الإجابة عن السؤال البسيط: من أين لك هذا؟

طنجة في حاجة إلى منتخبين حافظوا على بوصلتهم الأخلاقية، لا إلى منتخبين تغيرت أوضاعهم بسرعة قياسية. فالتدبير الجماعي ليس سلّمًا للارتقاء الاجتماعي، ولا فرصة لتكديس الثروة، بل أمانة ثقيلة ومسؤولية سياسية وأخلاقية. ومن خان هذه الأمانة، بالفعل أو بالصمت، لا يحق له الاحتماء بشرعية الصندوق ولا بخطاب الإنجازات.

زر الذهاب إلى الأعلى