بين السرقة بالخطف وإرباك حركة السير وخرق القانون والنقل السري.. هل خرجت فوضى الدراجات النارية عن السيطرة بطنجة؟

تحولت الدراجات النارية في طنجة، أو بالأحرى طريقة استعمالها من طرف فئة من المتهورين، إلى واحدة من أكثر الظواهر إزعاجاً وخطورة في شوارع المدينة. مشاهد تتكرر يومياً لدراجات تسير بسرعات جنونية، وتتجاوز السيارات من مختلف الاتجاهات، ولا تعير الإشارات الضوئية وقواعد السير أدنى اهتمام، بل إن بعضها لم يعد يعترف حتى بالحد الفاصل بين الطريق والرصيف، بعدما تحولت أرصفة وسط المدينة والممرات المخصصة للراجلين إلى مسالك تستعملها بعض الدراجات بكل استهتار.
ولا تقف خطورة هذه الفوضى عند إرباك حركة المرور، بل تضع السائقين والراجلين أمام خطر حقيقي لحوادث السير. وتكشف الأرقام الوطنية حجم المعضلة، بعدما تجاوز عدد القتلى من مستعملي الدراجات النارية بالمغرب خلال سنة 2025 حاجز 2300 قتيل، وفق معطيات الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، وهو رقم ثقيل يكشف أن الأمر لم يعد مجرد مخالفات بسيطة، بل قضية سلامة طرقية تستوجب قدراً أكبر من الحزم والمراقبة.
وإلى جانب ذلك، برزت في شوارع طنجة ظاهرة أخرى لا تقل إثارة للقلق، تتمثل في استعمال أعداد كبيرة من الدراجات النارية في نقل الركاب مقابل المال، في ما يشبه خدمة “تاكسي” موازية وغير منظمة. ويكفي في بعض المحاور أن يتوقف مواطن أو سائح على جانب الطريق حتى يبادره أصحاب دراجات بالسؤال عما إذا كان يريد توصيلة. وهنا تطرح أسئلة جدية حول سلامة الركوب مع أشخاص مجهولين، ومدى توفر شروط التأمين والحماية القانونية والمسؤولية عند وقوع حادث، فضلاً عن المخاطر التي قد يتعرض لها السائح أو المواطن عندما يستقل دراجة لا يعرف صاحبها ولا صفته ولا الضمانات التي تحميه.
لكن الوجه الأكثر إثارة للقلق يرتبط باستعمال الدراجات النارية من طرف بعض المنحرفين في عمليات السرقة بالخطف. هواتف تنتزع من أيدي أصحابها، وحقائب تخطف من النساء، ومقتنيات شخصية تصبح هدفاً سهلاً، قبل أن يلوذ أصحاب الدراجات بالفرار في ثوان. وهي مشاهد عكستها أيضاً مقاطع فيديو متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى أصبح بعض المارة يراقب هاتفه وحقيبته ويلتفت خلفه بمجرد سماع صوت دراجة تقترب منه.
والمفارقة أن هذه الممارسات تحدث في مدينة سياحية تراهن على تحسين صورتها وجودة فضائها العام، بينما تظل فئة من أصحاب الدراجات مصدراً يومياً للضجيج والسياقة الاستعراضية والصعود فوق الأرصفة وقطع الإشارات والسير في الاتجاه الممنوع، فضلاً عن استعمال بعضها في جرائم السرقة والخطف، وأخرى في نقل الركاب خارج أي إطار واضح. ولا يتعلق الأمر بجميع مستعملي الدراجات، وإنما بفئة حولت وسيلة نقل عادية إلى مصدر للفوضى والخطر والإزعاج للمواطنين والسياح على حد سواء.
ورغم التدخلات الأمنية والتوقيفات المسجلة، فإن استمرار هذه المظاهر يطرح سؤالاً حول مدى كفاية المقاربة الحالية. فالمطلوب ليس انتظار حادث جديد أو انتشار فيديو لعملية سرقة حتى يبدأ التحرك، وإنما مراقبة وزجر مستمران، وتشديد الخناق على الدراجات المخالفة وسائقيها، والتعامل بصرامة مع السياقة فوق الأرصفة وعكس الاتجاه وخرق الإشارات والسرعات الخطيرة، إلى جانب مراقبة ظاهرة نقل الركاب بالدراجات وما تطرحه من مخاطر ومسؤوليات.
لقد تجاوز الأمر حدود الإزعاج وأصبح يتعلق بسلامة الناس وأمنهم وصورة طنجة أمام زوارها. فمن حق المواطن والسائح أن يسيرا في شوارع المدينة دون أن يتحول الرصيف إلى طريق للدراجات، ودون الاضطرار إلى إخفاء الهاتف أو إحكام القبضة على الحقيبة خوفاً من الخطف، ودون أن يتحول النقل العشوائي للركاب إلى أمر واقع في الشارع. والسؤال الذي بات يفرض نفسه هو: إلى متى سيستمر هذا العبث، ومتى تتحول مواجهة فوضى الدراجات النارية بطنجة من حملات متفرقة إلى عمل يومي صارم يعيد للشارع هيبته وللمواطن حقه في الأمن؟
