ملف سوق “كاساباراطا” بطنجة.. عشر سنوات من الهدم والتهجير ومعركة قضائية لم تُغلق بعد

لم يكن هدم محلات “السوق الجديد” بكاساباراطا مجرد عملية لإعادة ترتيب المجال التجاري بمدينة طنجة، بل خلّف وراءه جرحاً اجتماعياً واقتصادياً لا يزال مفتوحاً لدى عدد من التجار الذين وجدوا أنفسهم، بعد إزالة محلاتهم، أمام واقع جديد عنوانه فقدان مصدر الرزق وانتظار تسوية قضائية طال أمدها لسنوات.

وتكشف الأحكام القضائية الصادرة في عدد من الملفات عن استمرار معركة التجار المتضررين للمطالبة بجبر الأضرار التي لحقت بهم جراء هدم محلاتهم التجارية، بعدما اعتبر القضاء أن الضرر الناتج عن هذه العملية يستوجب التعويض. وقد صدرت عشرات الأحكام المتطابقة التي ألزمت جماعة طنجة بأداء تعويضات لفائدة تجار متضررين من هدم محلاتهم بـ”السوق الجديد كاساباراطا”.

وتتراوح مبالغ التعويضات المحكوم بها، بحسب الملفات القضائية، بين حوالي 30 ألف درهم و110 آلاف درهم لكل تاجر، وهي مبالغ يفترض أن تساهم في تمكين المتضررين من إعادة بناء نشاطهم التجاري وتعويض جزء من الخسائر التي تكبدوها خلال سنوات فقدان محلاتهم ومصادر دخلهم.

غير أن مرور السنوات لم ينهِ الملف، بل نقل جزءاً منه من الشارع والأسواق إلى ردهات المحاكم، حيث وجد التجار أنفسهم أمام مسار قضائي طويل لإثبات حجم الضرر والحصول على التعويضات المستحقة. وهو ما يطرح سؤالاً أوسع حول الكلفة الاجتماعية والاقتصادية لمشاريع إعادة تهيئة الأسواق عندما لا تكون مرفقة، منذ البداية، بحلول واضحة تضمن استمرارية النشاط التجاري للمتضررين.

فبالنسبة إلى عدد من التجار الصغار، لم يكن المحل التجاري مجرد مساحة لعرض السلع، وإنما كان مصدر دخل أساسي لعائلات بأكملها. وبالتالي فإن هدمه لا يعني فقدان جدران ومعدات فقط، بل يعني في كثير من الحالات توقف نشاط اقتصادي استمر لسنوات، والبحث عن بديل في سوق تجارية تعرف أصلاً منافسة قوية وارتفاعاً في تكاليف الإيجار والاستغلال.

كما أن الأحكام المتعددة الصادرة لفائدة المتضررين تفتح نقاشاً حول تدبير المرحلة التي سبقت الهدم، ومدى تقدير الآثار الاجتماعية والاقتصادية للعملية، والبدائل التي كان من الممكن توفيرها للتجار حتى لا يجدوا أنفسهم خارج الدورة التجارية لسنوات.

وبينما تظل إعادة تأهيل الأسواق وتنظيم الفضاء التجاري من مسؤوليات الجماعات الترابية والسلطات المعنية، فإن تجربة «كاساباراطا» تقدم درساً في ضرورة أن ترافق مشاريع إعادة الهيكلة معالجة اجتماعية واقتصادية حقيقية، تضمن عدم تحويل أصحاب الأنشطة الصغيرة إلى ضحايا جانبيين لعمليات التهيئة.

وبعد نحو عقد من الزمن، لم يعد السؤال بالنسبة إلى التجار المتضررين مرتبطاً فقط بما إذا كان الهدم مبرراً من الناحية العمرانية، وإنما بما إذا كانت حقوقهم جُبرت فعلاً، وما إذا كانت التعويضات المحكوم بها وصلت في الوقت المناسب، وما إذا كان مشروع إعادة البناء الذي انتظروه طويلاً يمكن أن ينهي فصلاً من أكثر الملفات التجارية إثارة للجدل بمدينة طنجة.

فـ”سوق كاساباراطا” لم يعد مجرد ذاكرة تجارية لطنجة، بل أصبح ملفاً يكشف كيف يمكن لقرار عمراني أن يستمر أثره سنوات طويلة، وأن ينتقل من محلات السوق إلى المحاكم، ومن معاناة التجار إلى كلفة مالية تتحملها الجماعة في نهاية المطاف.

زر الذهاب إلى الأعلى