سقوط آدم وزوال الإنسان العاقل: أنوار مجيد يحذّر من رؤية لاهوتية تقود الذكاء الاصطناعي

في مقال تحليلي نُشر باللغة الإنجليزية تحت عنوان “The Fall of Adam and (Impending) Death of Homo Sapiens“، قدّم المفكر والأستاذ الجامعي المغربي أنوار مجيد رؤية نقدية عميقة حول مشروع الذكاء الاصطناعي، معتبرًا أنه ليس تطورًا تقنيًا محايدًا، بل امتدادٌ لرؤية لاهوتية مسيحية ظهرت منذ قرون، تسعى إلى استبدال الإنسان بكائنات رقمية خارقة، مستقلة عن الجسد والعقل البشريين.

يرى مجيد أن الذكاء الاصطناعي لا يُشبه الأدوات التي ابتكرها البشر على مرّ التاريخ، بل يمثّل “وكيلًا” جديدًا يتخذ قراراته الخاصة دون الرجوع إلى الإنسان. ويستشهد في هذا السياق بالمؤرخ يوفال نوح هراري الذي أكّد أن ما يُميز الذكاء الاصطناعي هو كونه ليس مجرد أداة مثل السكين أو المطرقة، بل كيان فاعل مستقل.

ويحذّر الكاتب من أن الأوساط العلمية والتعليمية حول العالم، بما فيها العالم الإسلامي، تنخرط اليوم في سباق محموم نحو تبنّي الذكاء الاصطناعي، دون أن تتنبّه إلى البنية الفلسفية واللاهوتية التي تقف خلف هذا المشروع. فالمشكلة، بحسب مجيد، لا تكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في الرؤية التي تُوجّهها وتبرّرها.

ويستشهد مجيد بتصريح شهير لإيلون ماسك قال فيه إن “الإنسان مجرد برنامج تمهيدي” لخلق ذكاء رقمي متفوق. كما يشير إلى ما جاء في كتاب Dark Aeon للكاتب جو ألين، الذي توقّع أن تُحوّل شخصيات البشر إلى “أشباح إلكترونية” تستمر في التطوّر داخل فضاءات رقمية لا نهائية، حتى بعد موت أجسادهم.

ويرى مجيد أن هذه التصورات لا تخرج من فراغ، بل تمتد جذورها إلى معتقدات لاهوتية نشأت في العصور الوسطى، خاصة لدى مفكرين مسيحيين رأوا في التكنولوجيا وسيلة لاستعادة حالة آدم الأولى قبل السقوط. ويُذكّر بأن مفكرين مثل كورنيليوس أگريبا وروبرت بويل اعتبروا أن العلم والمعرفة يتيحان للبشر المشاركة في الفعل الإلهي، وتعويض ما فُقد بالخطيئة الأصلية.

ويضيف مجيد أن هذه الرؤية وصلت إلى ذروتها في العصر الرقمي، حيث لم يعد يُنظر إلى الجسد البشري كمكوّن ضروري للهوية الإنسانية، بل كعقبة ينبغي تجاوزها. ويستشهد في ذلك بموقف مارفن مينسكي، أحد أبرز روّاد الذكاء الاصطناعي، الذي وصف الجسد بأنه “كيس دموي لا قيمة له”.

كل هذه التحوّلات، بحسب أنوار مجيد، تعكس تحوّلًا في تصور الخلاص ذاته: فلم يعد الخلود منحة من الله، بل هدفًا يمكن تحقيقه عبر نقل الوعي البشري إلى بيئة رقمية، وهو ما يعني، في العمق، الاستغناء عن الله والإنسان معًا.

وفي مقابل هذا التصوّر، يذكّر مجيد بأن الرؤية القرآنية تطرح فهمًا مغايرًا للإنسان والوجود: فالإنسان خُلق من طين، وكرّمه الله، وأسجد له ملائكته رغم اعتراضهم، وجعل منه خليفة في الأرض. ويُذكّر بأن “الخطيئة الأولى” لم تكن سقطة تستوجب الإلغاء أو التعديل، بل لحظة تأسيس لجوهر التجربة البشرية: النقص، والابتلاء، والاختيار، والتوبة.

ويذهب مجيد إلى أن ما يُروَّج اليوم تحت شعار “الإنسان المُعزّز” أو “ما بعد الإنسان”، ليس إلا تكرارًا حديثًا لرفض إبليس السجود لآدم، بحجة أنه مخلوق من طين. فمشروع الذكاء الاصطناعي، كما يصوّره بعض روّاده، يعيد إنتاج هذا الرفض في قالب تقني، عبر تمجيد العقل المجرد والسعي لتخليصه من الجسد والمحدودية.

ويختم أنوار مجيد مقاله بالتأكيد على أن مشروع الذكاء الاصطناعي، كما يُصاغ اليوم في وادي السيليكون وأروقة البحث العلمي الغربية، ليس مجرد نتاج عبقريّة تقنية، بل تعبير عن رؤية كونية تسعى لإعادة تشكيل العالم دون الإنسان، ومن دون الله. فالخطر لا يكمن فقط في قدرة هذه التكنولوجيا على العمل بمعزل عنّا، بل في الفكرة التي تحكمها: فكرة أن الإنسان أصبح عبئًا على المستقبل، وأنه قد آن أوان تجاوزه.

 

The Fall of Adam and (Impending) Death of Homo Sapiens

زر الذهاب إلى الأعلى