هل يملك الملك صلاحية حلّ الحكومة؟

قراءة دستورية في صلاحيات الملك وآليات إنهاء الولاية الحكومية

في ظل النقاشات السياسية الراهنة حول توازن السلط، يعود إلى الواجهة سؤال دستوري محوري ظلّ مطروحاً منذ اعتماد دستور 2011: هل يملك الملك في النظام الدستوري المغربي صلاحية حلّ الحكومة أو إنهاء ولايتها؟ وإن لم يكن ذلك منصوصاً بشكل مباشر، فما هي الآليات التي يمكن من خلالها إنهاء مهامها وفق المقتضيات الدستورية؟

ينصّ دستور المملكة في فصله الثاني والأربعين على أن الملك هو رئيس الدولة وممثلها الأسمى وضامن دوامها واستمرارها والحكم الأسمى بين مؤسساتها. هذا الدور التحكيمي لا يعني سلطة تنفيذية مطلقة، بل يكرّس موقعاً فوقياً يهدف إلى ضمان حسن سير المؤسسات الدستورية وتوازن السلط، دون التدخل المباشر في عمل الحكومة. أمّا الفصل السابع والأربعون فيؤكد أن الملك يعيّن رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدّر انتخابات مجلس النواب، ويعيّن أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها، وله أن يعفي عضواً أو أكثر من مهامهم بعد استشارة رئيس الحكومة، غير أن استقالة هذا الأخير تعني بحكم الدستور إعفاء الحكومة بكاملها.

بهذا المعنى، لا يتضمّن الدستور المغربي نصاً صريحاً يمنح الملك حق “حلّ الحكومة” كلياً، بل يحدّد حالات واضحة تنتهي فيها الولاية الحكومية بشكل قانوني، سواء بالاستقالة الطوعية لرئيسها أو بسحب الثقة البرلمانية عبر ملتمس الرقابة المنصوص عليه في الفصل 105. ومع ذلك، يظلّ هناك مسار دستوري غير مباشر قد يؤدي عملياً إلى إنهاء مهام الحكومة، ويتمثل في حلّ مجلس النواب الذي تستمد منه الحكومة مشروعيتها. فالفصل الحادي والخمسون يمنح الملك حق حلّ أحد مجلسي البرلمان أو كليهما بظهير شريف، وذلك وفق الشروط المنصوص عليها في الفصول 96 و97 و98، والتي تفرض استشارة رئيس الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان ورئيس المحكمة الدستورية، وتوجب إجراء انتخابات جديدة خلال أجل أقصاه شهران من تاريخ الحلّ، مع منع حلّ المجلس الجديد قبل مرور سنة إلا إذا تعذّر تشكيل أغلبية حكومية.

تاريخياً، جسّد الدستور المغربي بعد 2011 توازناً دقيقاً بين السلطة التنفيذية المنتخبة والسلطة الملكية الضامنة لاستقرار الدولة. ويبرز ذلك في التجربة العملية لسنة 2017، حين أعفى الملك محمد السادس رئيس الحكومة المكلّف عبد الإله بنكيران بعد تعثّر مشاورات تشكيل الحكومة، وعيّن مكانه سعد الدين العثماني من الحزب نفسه. لم يكن هذا القرار بمثابة حلّ للحكومة، بل ممارسة دستورية مشروعة للصلاحيات التحكيمية المقرّرة للملك بموجب الفصل 42، لضمان استمرارية المؤسسات وتجاوز حالة الجمود السياسي التي كانت تهدد السير العادي للدولة.

ويرى فقهاء القانون الدستوري أن الحديث عن “حق الملك في حلّ الحكومة” لا يستقيم من الناحية القانونية، لأن النصوص تحدد بوضوح آليات إنهاء الولاية الحكومية، وتضع حدوداً دقيقة للتدخل الملكي. فالنظام المغربي يقوم على شرعيتين متكاملتين: شرعية صناديق الاقتراع التي تُنتج الحكومة المنتخبة، وشرعية المؤسسة الملكية التي تضمن الاستمرارية والوحدة وحسن سير المؤسسات. هذا التوازن بين الشرعيتين هو ما مكّن المغرب من الحفاظ على استقراره السياسي والمؤسساتي رغم التحولات التي عرفها في العقد الأخير، إذ يتيح للملك أن يتدخل في لحظات الانسداد أو التعثر بصفته حَكَماً سامياً، دون المساس بجوهر الخيار الديمقراطي.

في المحصلة، يُظهر الدستور المغربي هندسة دقيقة للسلطات، تضمن أن تبقى الحكومة خاضعة للمساءلة أمام البرلمان المنتخب، بينما يحتفظ الملك بدوره كضامن أسمى للدولة واستمراريتها. فالملك لا يملك سلطة مباشرة لحلّ الحكومة، لكنه يمتلك من الصلاحيات التحكيمية والأدوات الدستورية ما يكفل تصحيح المسار حين تقتضي المصلحة العليا ذلك، في إطار من الشرعية الدستورية واحترام الخيار الديمقراطي الذي أقرّه المغاربة منذ سنة 2011.

ويجمع المراقبون على أن هذا التوازن بين الاستمرارية الملكية والمشروعية الانتخابية يشكل إحدى ركائز الاستقرار السياسي في المغرب، ويعبّر عن خصوصية التجربة الدستورية المغربية التي نجحت في الجمع بين الحداثة السياسية والعمق المؤسساتي في آنٍ واحد.

زر الذهاب إلى الأعلى