بعد فيديو الطرد بسبب 1000 درهم… حياة «المعز» داخل معامل النسيج بطنجة

أعاد فيديو طرد فتاة من معمل خياطة بمدينة طنجة، بسبب أجر شهري لا يتجاوز 1000 درهم، فتح نقاشاً واسعاً حول واقع العمل داخل معامل النسيج، واقع يعرفه الجميع ويُتجاهل عمداً. ما ظهر في الفيديو ليس حالة معزولة، بل صورة يومية لحياة قاسية يعيشها آلاف العمال والعاملات داخل هذه المعامل.
في طنجة، حيث يتم تقديم قطاع النسيج كقاطرة للتشغيل، يعيش كثير من العاملين أوضاعاً يمكن وصفها بحياة “المعز”: عمل شاق، ضغط مستمر، وأجور لا تكفي حتى لتغطية أبسط الحاجيات. ألف درهم في الشهر ليست رقماً استثنائياً، بل أجر يُفرض في معامل كثيرة، خارج أي منطق قانوني أو إنساني، وكأن العامل لا يحتاج إلى كراء أو أكل أو علاج.
القانون يحدد الحد الأدنى للأجور ويلزم بالتصريح في الضمان الاجتماعي واحترام ساعات العمل، لكن داخل عدد كبير من معامل الخياطة يصبح القانون حبراً على ورق. عقود العمل غائبة أو شكلية، والتصريح بالعمال يتم جزئياً أو لا يتم إطلاقاً. العامل يشتغل في وضع هش، مهدد بالطرد في أي لحظة، دون تعويض أو حماية.
المرأة تشكل العمود الفقري لهذا القطاع، والاستغلال في حقها مضاعف. يتم الاعتماد عليها لأنها أكثر قابلية للضغط، وأكثر خوفاً من فقدان مصدر رزقها. الإهانات، الطرد التعسفي، الحرمان من فترات الراحة، والعمل تحت التهديد ممارسات شائعة، لا تحتاج إلى توثيق بالكاميرا لأنها أصبحت عادية داخل كثير من الورشات.
ساعات العمل غالباً ما تتجاوز المعلن عنها، دون مقابل إضافي. العمل بالقطعة يُستعمل لرفع الإنتاج وخفض الأجور، والسرعة تصبح شرطاً للبقاء. أي اعتراض يُقابل بالطرد، وأي مطالبة بالحق تُصنف كمشكل يجب التخلص منه.
المفارقة الصادمة أن هذه المعامل تشتغل لفائدة علامات تجارية عالمية، وتصدر إنتاجها للأسواق الأوروبية، وتحقق أرباحاً مهمة. لكن العامل، الذي يشكل الحلقة الأضعف في سلسلة الإنتاج، لا يستفيد من شيء. المنافسة بين المعامل تُدار على حساب الأجور والحقوق، وليس على حساب الجودة أو شروط العمل.
النقابات شبه غائبة داخل هذا القطاع، إما بسبب التضييق أو الخوف من الطرد. أما المراقبة، فغالباً ما تكون شكلية أو انتقائية، حيث يتم إبلاغ بعض المعامل مسبقاً بزيارات التفتيش، فتُعدَّل الأوضاع مؤقتاً قبل أن تعود إلى طبيعتها بعد المغادرة.
المشكل الحقيقي ليس في انتشار فيديو على مواقع التواصل، بل في استمرار هذا الواقع دون محاسبة. الغضب العابر لا يكفي، والتصريحات لا تغير شيئاً إن لم تُترجم إلى تطبيق صارم للقانون. ما يجري داخل معامل النسيج بطنجة ليس استثناءً، بل نموذج قائم على استغلال اليد العاملة الرخيصة، وطالما استمر النظر إلى العامل كرقم قابل للاستبدال، ستبقى هذه الممارسات قائمة.
