طنجة ما بعد “ألزا”: صفحة جديدة في تدبير النقل العمومي وسط رهانات ثقيلة وترقّب شعبي

دخل قطاع النقل الحضري وشبه الحضري بالحافلات بمدينة طنجة مرحلة جديدة، مع الانطلاقة الرسمية لتدبير الشبكة من طرف الشركة الجديدة المفوض لها، في خطوة تُنهي أكثر من عقد من تدبير شركة “ألزا” الإسبانية، وهي فترة وُصفت على نطاق واسع بأنها من أضعف محطات النقل العمومي بالمدينة، بالنظر إلى تدهور جودة الخدمات، وتهالك الأسطول، وتكرار أعطاب الحافلات، وعدم انتظام الرحلات، إلى جانب شكاوى متواصلة حول شروط السلامة والراحة.
ويأتي هذا التحول في سياق اجتماعي وضغط متزايد من الساكنة، التي طالما عبّرت عن استيائها من أداء المرفق العمومي للنقل، ما يجعل الرهان على النموذج الجديد رهينًا ليس فقط بالوعود المعلنة، بل بمدى القطع الفعلي مع اختلالات الماضي، وترجمة الشعارات إلى إجراءات ملموسة تنعكس على حياة المواطنين اليومية.
وحسب بلاغ رسمي، فإن تدبير الشبكة أسند إلى شركة “إيصال المدينة”، في إطار عقد تفويض يمتد لعشر سنوات، تشرف عليه مؤسسة التعاون بين الجماعات “البوغاز”، غير أن هذا التحول يطرح في الآن ذاته تساؤلات مشروعة حول شروط المنافسة التي أفضت إلى فوز الشركة الجديدة بالصفقة، خاصة في ظل غياب معطيات دقيقة ومعلنة للرأي العام تشرح العناصر التقنية والمالية التي رجّحت كفة “إيصال المدينة” على حساب شركة “ألزا” الإسبانية، التي ظلت لعقود فاعلاً رئيسيًا في القطاع.
وتستند الشركة المفوض لها الجديدة إلى شراكة تجمع بين الشركة المغربية للنقل “سيتيام” (CTM)، المملوكة لرجل الأعمال عثمان بنجلون، وشركة “Transdev Maroc” التابعة لمجموعة “Transdev” الفرنسية، المعروفة بخبرتها في تدبير شبكات الترامواي بالرباط والدار البيضاء، وهو معطى يمنح المشروع سندًا تقنيًا وتجاريًا، لكنه في المقابل يرفع سقف الانتظارات ويضاعف حجم المسؤولية.
وفي هذا السياق، جرى الإعلان عن اقتناء وتجهيز 280 حافلة جديدة مزودة بأنظمة تكنولوجية حديثة، ووضعها رهن إشارة المفوض له، في محاولة لتجاوز إرث الأسطول المتهالك الذي طبع المرحلة السابقة، غير أن نجاح هذا الورش يبقى مرتبطًا بمدى احترام آجال إدماج هذه الحافلات فعليًا في الخدمة، وضمان توزيعها العادل على مختلف الخطوط، خصوصًا تلك التي ظلت لسنوات تعاني من التهميش وضعف التغطية.
كما يشمل المشروع إحداث مركز خاص لصيانة وإيواء الحافلات، وهو إجراء طال انتظاره، غير أن التجربة السابقة أثبتت أن الإشكال في طنجة لم يكن فقط في غياب التجهيزات، بل في ضعف آليات التتبع والمراقبة، ما يضع مؤسسة التعاون بين الجماعات والسلطات المفوضة أمام اختبار حقيقي في فرض احترام دفاتر التحملات، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويؤكد البلاغ أن النموذج الجديد يقوم على فصل واضح للأدوار بين الجهة المالكة والمستغل، وتعزيز المراقبة العمومية، وتحسين جودة الخدمة، غير أن هذه المبادئ، رغم وجاهتها، تظل رهينة بمدى تفعيلها على أرض الواقع، في مدينة راكمت تجربة مريرة مع تدبير النقل العمومي، حيث تحولت الوعود في أكثر من محطة إلى شعارات دون أثر ملموس.
وتزداد حدة هذه التساؤلات مع الإعلان عن تولي الشركة نفسها تدبير قطاع النقل العمومي بالحافلات في مدن أخرى، من بينها تطوان وفاس، ما يفرض تقييمًا دقيقًا ومتواصلاً للأداء منذ الأشهر الأولى، تفاديًا لتكرار سيناريوهات سابقة أرهقت الساكنة وأثقلت كاهل المرفق العمومي.
وبين رهان القطع مع الماضي وضغط الانتظارات المرتفعة، يبقى نجاح هذا التحول مرهونًا بإرادة حقيقية في الإصلاح، ومراقبة صارمة، وشفافية في التدبير، لأن النقل العمومي بطنجة لم يعد يحتمل مرحلة تجريبية جديدة، بقدر ما يحتاج إلى خدمة تحترم كرامة المواطن وتنسجم مع حجم المدينة وتطلعاتها.
