بعد أشهر من الشكايات دون جدوى وتعدد حالات «الكريساج»… مواطنون يبحثون عن مصابيح الشارع لشرائها وإنقاذ أحيائهم من الظلام الدامس

في صرخة مدوّية تختزل حجم الاحتقان والخذلان، لم يعد مواطنو عدد من الأحياء الشعبية بمدينة طنجة يكتفون برفع الشكايات أو انتظار تدخل الجهات المسؤولة لإصلاح مصابيح الإنارة العمومية المعطلة، بل وجدوا أنفسهم، تحت ضغط الواقع اليومي، يبحثون عن أماكن بيع مصابيح الشارع لشرائها وتركيبها بأنفسهم، بعد أن استنفدوا كل سبل المطالبة وفقدوا الأمل في المنتخبين وفي الشركة المفوض لها تدبير هذا المرفق الحيوي.

هذه الصرخة لم تأتِ في شكل بيان أو وقفة احتجاجية، بل خرجت عفوية وصادقة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لمواطن يسأل بوضوح وألم عن مكان اقتناء مصابيح الإنارة العمومية. سؤال بسيط في صياغته، لكنه خطير في دلالته، لأنه يعكس انتقال الساكنة من منطق المطالبة بالحق إلى منطق البحث عن حلول ذاتية لمشكل يفترض أن تتحمله الجماعة والجهات الوصية.

بني مكادة، خصوصاً أحياؤها الشعبية، تعيش منذ مدة وضعاً قاتماً بكل ما تحمله الكلمة من معنى. ظلام يخيّم على الأزقة والشوارع في وقت يضطر فيه مواطنون إلى مغادرة بيوتهم باكراً للتوجه إلى أعمالهم، ونساء يخرجن في أولى ساعات الصباح المظلمة لكسب قوتهن اليومي، وأطفال يتوجهون إلى مدارسهم في عتمة مقلقة، وسط مخاوف حقيقية على سلامتهم الجسدية والنفسية. هذا الظلام اليومي لم يعد مجرد إزعاج، بل تحول إلى خطر فعلي يرافق الساكنة في تفاصيل حياتها.

ومع استمرار غياب الإنارة، تتضاعف تداعيات هذا الإهمال. ارتفاع منسوب الخوف، تزايد حالات السرقة و”الكريساج”، إحساس عام بانعدام الأمان، وكل ذلك في أحياء تعاني أصلاً من هشاشة اجتماعية واقتصادية. ورغم تواتر الشكايات ووضوح الخطر، لا تزال الاستجابة غائبة، وكأن معاناة هذه الفئات لا تدخل ضمن سلم الأولويات.

في المقابل، يسجّل المواطنون، بمرارة، أن تدخلات الشركة المفوض لها والاهتمام الذي يبديه بعض المنتخبين يظل محصوراً في الشوارع الرئيسية، أو في المحاور التي يمر منها المسؤولون، أو تلك القريبة من الملاعب والمنشآت الكبرى، حيث “الصورة” أهم من الواقع، وحيث الضوء حاضر فقط ليخدم واجهة المدينة، لا عمقها الاجتماعي. أما الأزقة الخلفية والأحياء الشعبية، فتُترك لمصيرها، تغرق في الظلام وتُدبّر شؤونها بمنطق الصبر أو الحلول الفردية.

أن يُترك المواطن أمام خيار شراء مصباح إنارة عمومية وتركيبه بنفسه، فذلك ليس فقط فشلاً تقنياً، بل انهياراً لمنطق الخدمة العمومية ومبدأ العدالة المجالية. هو تعبير صريح عن غياب المراقبة، وضعف المحاسبة، وتراجع الدور الحقيقي للمنتخبين في الدفاع عن مصالح الساكنة التي أوصلتهم إلى مواقع القرار.

ما يحدث اليوم في بني مكادة ليس حادثاً معزولاً، بل إنذار واضح. إنذار بأن الظلام لم يعد مجرد غياب للضوء، بل صار رمزاً لتهميش صامت، ونتيجة مباشرة لتدبير يميز بين شوارع “مرئية” وأحياء منسية. وبين هذا وذاك، يبقى المواطن، الذي يخرج للعمل فجراً ويبعث أطفاله إلى المدرسة في العتمة، يدفع وحده ثمن هذا الإهمال، في انتظار أن يعود الضوء… ومعه الإحساس بالمسؤولية.

زر الذهاب إلى الأعلى