رفع «البلوكاج» عن المنطقة المحيطة بمحطة القطار بطنجة: انفراج عمراني محسوب أم اختبار جديد لكبح لوبيات العقار؟

بعد سنوات من الجمود والتعطيل، تقرر أخيرا رفع «البلوكاج» عن تصميم التهيئة لمنطقة «أفشور» المحاذية لمحطة القطار فائق السرعة بمدينة طنجة، وهي منطقة استراتيجية تمتد على حوالي 65 هكتارا، ظلت لسنوات رهينة قرارات مؤجلة وصراعات خفية، انعكست بشكل مباشر على وتيرة البناء والاستثمار.

مصادر مطلعة أكدت أن هذا القرار لم يكن وليد ضغط ظرفي أو تسوية عابرة، بل جاء نتيجة دراسة تقنية وعمرانية دقيقة همّت البنية العقارية للمنطقة، والكثافات العمرانية الممكنة، والعلو المسموح به، مع اعتماد ضوابط تنظيمية تهدف إلى ضمان انسيابية حركة السير وتحقيق انسجام وظيفي ومعماري بين المباني والفضاءات العمومية. وهي مقاربة، في ظاهرها، تسعى إلى جعل المنطقة قطبا حضريا حديثا قادرا على استقطاب الاستثمارات الوطنية والدولية، خصوصا في محيط واحد من أهم المشاريع البنيوية بالمملكة.

غير أن خلفيات هذا «البلوكاج» الطويل لا تنفصل عن واقع يعرفه الجميع بصوت منخفض. فـ«أفشور» ليست مجرد منطقة عقارية عادية، بل قطعة ثمينة تسيل لعاب لوبيات العقار و«أباطرته» بالبوغاز منذ سنوات. ضغوط متعددة مورست، ومحاولات متكررة جرى دفعها في اتجاه تمرير تصميم تهيئة «على المقاس»، بما يخدم مصالح ضيقة أكثر مما يخدم المدينة وساكنتها. في هذا السياق، لعبت وزارة الداخلية دور صمام الأمان، حيث رفضت التأشير على التصميم في أكثر من مناسبة، سواء بسبب اعتبارات انتخابية أو لقطع الطريق على سماسرة العقار، وهو موقف، رغم كلفته التنموية الآنية، جنب المدينة اختلالات عمرانية يصعب تداركها لاحقا.

الجديد في هذا الملف، حسب المصادر نفسها، أن رفع «البلوكاج» تزامن مع توصل المصالح المعنية بشكايات من مستثمرين أجانب، تقدموا بمشاريع وُصفت بالجدية وحظيت بموافقات أولية، ما أعاد الملف إلى طاولة الحسم، ولكن هذه المرة بشروط مختلفة وسقف أعلى من الحذر.

من وجهة نظر تحليلية، فإن رفع التجميد عن تصميم تهيئة «أفشور» خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح، لكنها تظل سلاحا ذا حدين. فالفرصة اليوم مواتية لإطلاق دينامية استثمارية حقيقية تخلق القيمة المضافة ومناصب الشغل، وتمنح طنجة واجهة عمرانية تليق بموقعها ودورها الاقتصادي. غير أن الخطر يكمن في أن يتحول هذا الانفراج إلى بوابة خلفية لعودة نفس اللوبيات التي فشلت سابقا، ولكن بأدوات أكثر نعومة.

الرهان الحقيقي ليس في رفع «البلوكاج» في حد ذاته، بل في كيفية تدبير ما بعده: شفافية في منح التراخيص، عدالة في توزيع الفرص، وربط الاستثمار بالمصلحة العامة لا بالريع العقاري. فطنجة لم تعد تحتمل أخطاء تخطيطية جديدة، خصوصا في مناطق مفصلية يفترض أن تكون نموذجا للتنمية الحضرية لا عنوانا للمضاربات.

باختصار، ما حدث في «أفشور» اختبار حقيقي لإرادة الإصلاح: إما أن يكون التصميم أداة لتنمية متوازنة، أو مجرد وثيقة أخرى تُفصَّل على مقاس الأقوى نفوذا. الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة.

زر الذهاب إلى الأعلى