عودة عبد الحق الشراط… حين يستعيد التعليق الرياضي لغته ويُعيد لمباريات المنتخب نكهتها المفقودة

لم تكن عودة المعلّق الرياضي عبد الحق الشراط إلى التعليق على مباريات المنتخب الوطني عبر القناة الأولى مجرّد عودة صوتٍ غاب عن الميكروفون، بل عودة مدرسةٍ كاملة في التعليق الرياضي، قوامها اللغة قبل الصوت، والمفردة قبل الانفعال، والقدرة على تحويل كرة القدم إلى حكاية تُروى لا مجرد مباراة تُنقل.
ما يميّز عبد الحق الشراط عن كثير من المعلّقين ليس فقط حضوره الحماسي أو إيقاع صوته، بل معجمه الخاص الذي بناه عبر سنوات طويلة من الممارسة. فهو لا يستعمل اللغة الجاهزة ولا العبارات المستهلكة، بل يشتغل على مفردات رياضية خاصة به، صارت علامة مسجّلة باسمه، حتى أن المتابع يستطيع تمييز صوته وأسلوبه من أول جملة، دون حاجة إلى تعريف أو شارة. في تعليقاته، لا تمرّ اللقطة مرورًا عابرًا، بل تُصاغ لغويًا بطريقة تمنحها معنى إضافيًا وذاكرة أطول.
ولعلّ اللافت أكثر أن هذا الأسلوب لا يخاطب فئة واحدة من الجمهور، بل ينجح في شدّ انتباه الكبار والصغار على حدّ سواء. فعبد الحق الشراط، وهو يعلّق على مباريات المنتخب، لا ينسى أن في البيوت أطفالًا يتابعون الكرة بشغف الاكتشاف الأول، فيقدّم لهم لغة سهلة في ظاهرها، عميقة في مضمونها، تجعلهم يرتبطون بالمنتخب وبالمباراة وبالتعليق في آن واحد. لذلك، لم يعد مجرد معلق يصف اللعب، بل صانع لحظات وذاكرة لغوية رياضية ترافق أجيالًا كاملة.
وفي كل عودة له إلى التعليق، يفاجئ الشراط المتابعين بقدرته على الإبداع والاختراع، سواء عبر نحت تعابير جديدة، أو توظيف مصطلحات كروية بأسلوب غير مألوف، يزاوج بين الدقة والخيال، وبين الاحتراف والمتعة. هذا الحس الإبداعي جعله مختلفًا عن التعليق النمطي، الذي يكتفي بإعادة إنتاج نفس الجمل في كل مباراة، دون روح أو إضافة نوعية.
من هذا المنطلق، يمكن القول إن عودة عبد الحق الشراط إلى التعليق على مباريات المنتخب الوطني لم تكن فقط قرارًا برمجيًا صائبًا، بل اختيارًا ثقافيًا وإعلاميًا في آن واحد. فالتعليق، في حالته، يصبح جزءًا من العرض الكروي، وعنصرًا مؤثرًا في رفع منسوب التشويق، وتعزيز ارتباط الجمهور بالبث العمومي. ومع كل مباراة، يؤكد الشراط أن المعلّق الحقيقي لا يكتفي بأن يكون شاهدًا على الحدث، بل يشارك في صناعته، لغةً وإحساسًا وذاكرة.
