“لاماليف”.. صفقات بالملايين وأحياء طنجة تغرق في الظلام.. من يحمي الشركة من المحاسبة؟

لم يعد اختلال الإنارة العمومية بمدينة طنجة مجرد أعطاب تقنية متفرقة، أو شكايات معزولة يمكن التعامل معها باعتبارها حالات عابرة؛ بل أصبح واقعاً يومياً يلاحظه المواطنون في مختلف مناطق المدينة، ويتردد باستمرار على ألسنة المنتخبين داخل دورات مجلس جماعة طنجة ومجالس المقاطعات الأربع.

فمن الصعب أن يجوب المواطن شوارع طنجة وأزقتها ليلاً دون أن يصادف مصباحاً معطلاً، أو مجموعة من الأعمدة المنطفئة، أو جزءاً كاملاً من شارع يعيش في عتمة مستمرة. أما في عدد من الأحياء الشعبية، فإن الوضع يبدو أكثر سوءاً، بعدما أصبحت بعض الأزقة والشوارع تغرق في الظلام لفترات طويلة، قد تمتد لأسابيع أو أشهر، دون أن تصلها تدخلات الإصلاح بالسرعة المطلوبة.

وأمام هذا المشهد الذي لم يعد خافياً على أحد، يفرض سؤال نفسه بقوة: كيف تمكنت شركة «لاماليف»، المكلفة بقطاع الإنارة العمومية، من الوصول إلى مستوى من القوة جعلها، بحسب ما يردده منتخبون، لا تكترث لشكايات المواطنين ولا لمراسلات ممثليهم داخل المؤسسات المنتخبة؟ ومن يحميها من المحاسبة رغم توالي الانتقادات؟

اسم شركة «لاماليف» لا يحضر اليوم في النقاش المحلي بطنجة بوصفه اسماً مرتبطاً بإنجاز مشاريع الإنارة فقط، بل أصبح مقترناً بشكايات الساكنة وانتقادات المنتخبين، في ظل مفارقة صارخة بين الصفقات بملايين الدراهم التي ارتبطت بالشركة وبين الأداء الذي يراه المواطن على أرض الواقع.

فالمواطن لا يقيس جودة الخدمة بقيمة الصفقات المعلنة، ولا بعدد التقارير التقنية التي يتم تقديمها، وإنما يقيسها بمصباح يشتغل أمام منزله، وشارع مضاء يسمح له بالمرور بأمان، وزقاق لا يتحول مع حلول الليل إلى مساحة معتمة تثير الخوف والقلق.

وخلال السنوات الأخيرة، تحول ملف الإنارة العمومية إلى نقطة شبه دائمة في اجتماعات مجلس جماعة طنجة ومجالس المقاطعات الأربع، حيث توالت مداخلات المنتخبين المنتقدة لبطء تدخلات الشركة، وتأخرها في إصلاح الأعطاب، وعدم تفاعلها الجدي مع المراسلات والشكايات المتكررة.

وبحسب ما ورد في مداخلات سابقة، فإن منتخبين عبروا عن استغرابهم من طريقة تعامل الشركة مع هذا المرفق الحيوي، وتحدث بعضهم عن «تغول» الشركة، وعن شعور متزايد داخل المجالس المنتخبة بأنها أصبحت لا تستمع إلى المنتخبين، رغم أن هؤلاء هم من يواجهون يومياً احتجاجات المواطنين، ويتلقون شكاياتهم بشأن المصابيح المعطلة والشوارع الغارقة في الظلام.

والمفارقة أن المنتخب قد يتلقى شكاية من سكان حي أو زقاق، ويوجه مراسلة بشأنها، ثم ينتظر السكان أياماً أو أسابيع دون تدخل فعلي، بينما تبقى الأعمدة خارج الخدمة، وتتكرر المراسلات دون أن ينعكس ذلك دائماً على سرعة الإصلاح.

هذا البطء لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد تفصيل تقني، لأن الإنارة العمومية ليست خدمة ثانوية أو عنصراً تجميلياً في المدينة، بل ترتبط بشكل مباشر بأمن المواطنين وسلامتهم، وبحركة الراجلين ومستعملي الطريق، وبالإحساس العام بالأمان داخل الأحياء.

وفي عدد من الأزقة، يؤدي غياب الإنارة إلى انتشار الخوف بين السكان، خاصة النساء والأطفال وكبار السن، كما يجعل المرور ليلاً أكثر صعوبة وخطورة. ويرى مواطنون أن الشوارع المعتمة توفر ظروفاً مواتية للسرقة والاعتداءات، أو على الأقل تزيد من الشعور بانعدام الأمن، خصوصاً في المناطق قليلة الحركة والأحياء البعيدة عن المحاور الرئيسية.

ولا تبدو معاناة الأحياء الشعبية، في نظر عدد من السكان، مماثلة لما تعرفه بعض المحاور الكبرى والواجهات الرئيسية، حيث يتولد انطباع بأن تدخلات الشركة لا تصل بالوتيرة نفسها إلى الأزقة والمناطق الهامشية. فعندما يتعطل مصباح في حي شعبي، قد يبقى خارج الخدمة مدة طويلة، وكأن عودة الإنارة أصبحت رهينة انتظار مفتوح لا يعلم السكان متى ينتهي.

ويعيد هذا الواقع إلى الواجهة قضية تراجع التنسيق بين شركة «لاماليف» ومجالس المقاطعات الأربع. فقد كانت المقاطعات، بحكم قربها المباشر من السكان ومعرفتها الدقيقة بأحياء نفوذها، تشكل حلقة أساسية في رصد الأعطاب وتسريع التدخلات.

غير أن عدداً من المنتخبين يرى أن هذا التنسيق تراجع، وأن التعامل أصبح يتم بشكل أكبر عبر جماعة طنجة، وهو ما أضعف، بحسبهم، قدرة المقاطعات على متابعة الشكايات بشكل مباشر، وزاد من تعقيد مسار التدخل وإصلاح الأعطاب.

وتطرح هذه الوضعية سؤالاً حول جدوى إبعاد المقاطعات عن المتابعة المباشرة لقطاع يمس تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين. فالمقاطعة هي الأقرب إلى الشارع والحي والزقاق، ومنتخبوها هم أول من يتلقى الغضب والاحتجاج، بينما لا يتوفرون دائماً على الوسائل الكافية لإلزام الشركة بالتدخل.

في المقابل، تواصل شركة «لاماليف» عملها وسط انتقادات متكررة، دون أن يلمس المواطن وجود محاسبة توازي حجم الأعطاب والشكايات. وهنا لا تتجه المسؤولية إلى الشركة وحدها، بل تمتد أيضاً إلى الجهة التي يفترض أن تراقب تنفيذ الالتزامات التعاقدية، وتقيس جودة التدخلات، وتفعل الجزاءات عند التأخر أو التقصير.

فهل تقوم جماعة طنجة بمراقبة أداء الشركة بشكل يومي ودقيق؟ وهل تتوفر على معطيات واضحة بشأن عدد الشكايات، وآجال التدخل، والأعطاب التي لم تتم معالجتها؟ وهل جرى ترتيب أي جزاءات مالية أو تعاقدية على حالات التأخر؟ أم أن الشركة أصبحت أقوى من آليات المراقبة نفسها؟

إن الحديث عن صفقات بملايين الدراهم يفرض أن يكون أثرها واضحاً في الشوارع والأحياء، لا أن يبقى محصوراً في الوثائق والأرقام. فلا معنى لأي صفقة أو اعتماد مالي إذا كان المواطن لا يزال يقطع طريقه في الظلام، وإذا كانت أسرة تخشى مغادرة منزلها ليلاً بسبب غياب الإنارة في زقاقها.

وما يزيد الوضع استفزازاً هو أن طنجة تقدم نفسها باعتبارها مدينة كبرى وقطباً اقتصادياً وسياحياً يستعد لاحتضان استحقاقات وتظاهرات دولية، بينما ما تزال أحياء فيها تعيش مشاهد لا تليق بمدينة تتطلع إلى تعزيز مكانتها على المستويين الوطني والدولي.

مدينة بهذا الحجم لا تحتاج فقط إلى إنارة واجهاتها وشوارعها الرئيسية، بل إلى عدالة في توزيع الخدمة، وإلى تدخل يصل إلى الأزقة والأحياء الشعبية بالسرعة والجدية نفسيهما اللتين تحظى بهما المحاور الكبرى.

لقد أصبح ملف الإنارة العمومية اختباراً حقيقياً لمدى قدرة جماعة طنجة على فرض احترام التزامات الشركات المتعاقدة معها. فإما أن تخضع شركة «لاماليف» لتقييم جدي وشفاف، وتُربط مسؤوليتها بنتائج ملموسة، وإما أن يستمر الظلام في فضح الفارق بين ملايين الصفقات والواقع الذي يعيشه المواطن.

 

زر الذهاب إلى الأعلى